مأساة الأقلام الجائعة.. حين تُذبح الكرامة على عتبات الحكومة

 

 

✍️ بقلم : مصطفى محمود

لم يكن الفقر القاسي الذي يعيشه إعلاميو رئاسة الوزراء منذ عام ونصف مجرد عوزٍ مالي عابر.. لقد كان في جوهره تعريةً لضمير سالم بن بريك، رئيس الحكومة السابق.. كما هو الآن اختباراً قاسياً لعدالة حكومة شائع الزنداني.. فحين تُترك شريحة تعمل في قلب مؤسسة الحكم بلا مرتبات كل هذه المدة، فإن القضية تتجاوز الراتب لتصل إلى سؤال أبسط وأعمق: أين تقف العدالة؟.

في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن صرف مرتبات الداخل والخارج، وتقوم بإصلاحات مالية وترتيب أوضاع المؤسسات في العاصمة المؤقتة عدن، يواجهون اليوم “طحناً” معيشياً بلغ ذروته بتوقف مرتباتهم لعامٍ ونصف، في سياسة تجويعٍ لم تكن صدفة، بل أداة ضغطٍ قاسية كان يستخدمها رئيس الوزراء السابق سالم بن بريك ليدفعهم نحو الانتحار الوطني والمهني ومهاجمة الكيان الذي ساهموا في تأسيسه بالكلمة والموقف، لصالح كيان يناهض الدولة.

كثيرون يرون أن سياسة رئيس الحكومة السابق سالم بن بريك تحولت عملياً إلى وسيلة ضغط قاسية. الضغط هنا لا يطال الوظيفة فقط، بل يطال كرامة الإنسان نفسه.. فالصحفي الذي يُترك بلا راتب، وبلا مورد، يُدفع دفعاً إلى حافة العجز، وربما إلى موقفٍ لا يريده.

التاريخ العربي يعرف ظاهرة “الصعاليك” الذين خرجوا يوماً على مجتمعٍ كان يقيس قيمة الإنسان بماله ونفوذه لا بمعدنه.. وإذا استمر هذا الوضع، فقد نجد أنفسنا أمام ظاهرة جديدة يمكن تسميتها مجازاً “صعاليك الكلمة”.. ليس لأنهم اختاروا ذلك الطريق، بل لأن الظروف دفعتهم إليه.

صمود هؤلاء الإعلاميين طوال هذه الشهور القاسية ليس بطولة معلنة، لكنه شكل من أشكال الاحتجاج الصامت. فالإنسان قد يتحمل الفقر، لكنه يصعب أن يقبل أن يتحول إلى رقم مهمل في مؤسسة خدمها.

القضية هنا ليست نزاعاً وظيفياً على مستحقات متأخرة فقط. المسألة تمس صورة الدولة نفسها.. فكيف يمكن لقلمٍ يواجه صاحبه القلق اليومي على لقمة أطفاله أن يؤدي دوره في الدفاع عن فكرة الدولة أو مشروعها السياسي؟.

والأكثر إيلاماً أن هذه المعاناة مرت بصمت شبه كامل. لم تتحول إلى قضية رأي عام، ولم تحظَ بما تستحقه من تضامن نقابي أو ثقافي. وهذا الصمت، في ذاته، مشكلة أخرى.

إلى دولة رئيس الوزراء شائع الزنداني.. التاريخ لا يتذكر فقط القرارات الكبيرة، بل يتذكر أيضاً اللحظات التي أُعيد فيها الحق إلى أصحابه.. إن إعلاميي رئاسة الوزراء ليسوا عبئاً على الدولة، بل جزء من رأس مالها المعنوي.

ومن هنا تبرز ثلاث خطوات تبدو ضرورية وواضحة: (صرف المرتبات المتأخرة بشكل فوري، وإنهاء حالة الانتظار التي طالت أكثر مما ينبغي، وتعويض هؤلاء الإعلاميين عن الفترة التي عاشوا فيها هذا الضغط المعيشي القاسي، ووضع آلية تضمن عدم تكرار استخدام المرتبات كأداة ضغط إداري أو سياسي في المستقبل).

الوقت لا يمر هنا بشكل عادي؛ إنه يمر على أسر كاملة تعيش القلق يومياً.. وإنصاف إعلاميي رئاسة الوزراء ليس مجرد حل مشكلة وظيفية، بل خطوة لاستعادة ثقة ضرورية بين الدولة ومن يعملون في خدمتها بالكلمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى