من الصواريخ إلى المضائق: هل تدفع حرب الشرق الأوسط الاقتصاد العالمي نحو أزمة مالية تهز العالم

صورة بالذكاء الاصطناعي

 

 

نيويورك – زينة بلقاسم

منذ اللحظة الأولى التي اندلعت فيها الحرب قبل سبعة عشر يوماً، بدا واضحاً أن المواجهة لن تبقى مجرد تبادل للصواريخ والغارات الجوية بين إسرائيل وإيران، بل مرشحة للتحول إلى أزمة أوسع تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي. فالتوترات التي انفجرت عسكرياً كانت في الأصل تتراكم اقتصادياً منذ أشهر طويلة، في ظل تباطؤ النمو العالمي، وارتفاع مستويات التضخم في الاقتصادات الغربية، وتزايد الخلافات داخل المعسكر الغربي حول سياسات الطاقة والعقوبات. ومع دخول الشرق الأوسط، أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة في العالم، في مواجهة عسكرية مفتوحة، بات السؤال المطروح ليس فقط من سينتصر عسكرياً، بل ما إذا كانت هذه الحرب ستفتح الباب أمام أزمة مالية عالمية جديدة.
في الأيام الأولى للحرب، كان التركيز منصباً على الضربات الجوية والصاروخية المتبادلة، وعلى القدرات العسكرية لكل طرف. لكن مع مرور الأيام، بدأ المشهد يتغير تدريجياً، إذ انتقلت الأنظار من السماء إلى البحر. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو عشرين في المئة من تجارة النفط العالمية وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، أصبح فجأة في قلب الصراع. ومع تهديد إيران بإغلاق المضيق أو تقييد حركة الملاحة فيه، شهدت الأسواق العالمية قفزة حادة في أسعار النفط، إذ ارتفعت الأسعار بنسبة تراوحت بين أربعين وخمسين في المئة خلال أيام قليلة، وفق ما نقلته عدة وسائل إعلام اقتصادية عن بيانات الأسواق العالمية. هذه القفزة أعادت إلى الأذهان صدمات الطاقة التي شهدها العالم في سبعينيات القرن الماضي، وأثارت مخاوف من موجة تضخم جديدة قد تضرب الاقتصادات الكبرى في وقت واحد.
غير أن أخطر ما كشفته الحرب حتى الآن ليس فقط هشاشة سوق الطاقة العالمية، بل أيضاً الانقسامات المتزايدة داخل التحالف الغربي. فقد دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في مضيق هرمز، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا تعتمد إلا بنسبة محدودة على النفط العابر عبر هذا المضيق، في حين تعتمد دول أخرى، مثل الصين، على نسبة تصل إلى نحو تسعين في المئة من وارداتها النفطية عبر هذا الممر البحري الحيوي. لكن دعوة واشنطن لم تلق استجابة واسعة. فقد دعت الصين إلى تجنب التصعيد، وأعلنت اليابان أنها لن ترسل سفناً حربية إلى الشرق الأوسط، بينما أكدت فرنسا وألمانيا والنرويج وأستراليا أنها لا تنوي المشاركة في مهمة بحرية لحماية الملاحة. حتى بريطانيا، الحليف الأقرب لواشنطن، أبدت تحفظات واضحة وفق تقارير صحفية. هذه المواقف كشفت عن تباين واضح في المصالح الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وشركائها، خاصة في ما يتعلق بكلفة المواجهة المباشرة مع إيران.
وفي موازاة أزمة النفط، بدأت تظهر مؤشرات على أزمة طاقة أوسع. ففي إسرائيل، على سبيل المثال، أفادت تقارير اقتصادية بأن الحرب أدت إلى إغلاق اثنين من أكبر حقول الغاز البحرية في البلاد كإجراء احترازي، ما تسبب بخسائر تقدر بنحو ستمئة مليون شيكل. كما اضطرت الحكومة إلى العودة لاستخدام الفحم والديزل لتوليد الكهرباء، ما يكلف الاقتصاد الإسرائيلي نحو ثلاثمئة مليون شيكل أسبوعياً، إلى جانب تأثيرات سلبية على صادرات الغاز إلى مصر والأردن. هذه التطورات تعكس مدى الترابط بين الصراعات العسكرية والبنية التحتية للطاقة، حيث يمكن لاضطراب محدود في الإنتاج أو النقل أن يمتد تأثيره بسرعة إلى أسواق إقليمية ودولية.
في المقابل، بدأت بعض الدول المنتجة للطاقة في الخليج باتخاذ إجراءات استباقية لتقليل المخاطر. فقد أعلنت السعودية نقل جزء من صادراتها النفطية إلى البحر الأحمر عبر خط أنابيب يربط شرق المملكة بميناء ينبع على الساحل الغربي. هذه الخطوة تسمح بتجاوز مضيق هرمز في حالات الطوارئ، وتمنح المملكة قدرة أكبر على الحفاظ على تدفق صادراتها النفطية إلى الأسواق العالمية. كما تمتلك الرياض شبكة واسعة من منشآت التخزين ونقاط التسليم في مناطق مختلفة من العالم، ما يمنحها مرونة إضافية في إدارة الإمدادات خلال الأزمات.
ومع ذلك، يرى العديد من المحللين الاستراتيجيين أن هذه الإجراءات لا تلغي حقيقة أساسية: العالم لا يزال يعتمد بشكل كبير على عدد محدود من المضائق البحرية لنقل الطاقة والتجارة. فمضيق هرمز وحده يشكل شرياناً رئيسياً لنقل النفط والغاز من الخليج إلى آسيا وأوروبا. وإذا أضيف إليه مضيق باب المندب وقناة السويس، يتضح أن جزءاً كبيراً من الاقتصاد العالمي يمر عبر نقاط اختناق جغرافية محدودة. ولهذا السبب بدأ بعض الخبراء يتحدثون عن تحول الصراع تدريجياً إلى ما يمكن تسميته “حرب المضائق”، حيث يصبح التحكم في هذه الممرات أو تهديدها أداة ضغط استراتيجية لا تقل أهمية عن القوة العسكرية التقليدية.
في أوروبا، تبدو المخاوف أكثر حدة. فالقارة التي واجهت بالفعل أزمة طاقة حادة في عام 2022 بعد الحرب في أوكرانيا تجد نفسها اليوم أمام احتمال صدمة جديدة في أسواق النفط والغاز. وقد ناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي إمكانية توسيع مهمة بحرية أوروبية لحماية الملاحة في الخليج، لكن القرار يتطلب إجماع الدول الأعضاء، وهو ما يعكس مرة أخرى التردد الأوروبي في الانخراط العسكري المباشر في الصراع. وفي الوقت نفسه تبحث الحكومات الأوروبية عن بدائل سريعة، مثل زيادة واردات الغاز المسال من الولايات المتحدة أو تعزيز الإمدادات من النرويج والجزائر وأذربيجان، لكن هذه الحلول تبقى محدودة وغير قادرة على تعويض اضطراب كبير في إمدادات الخليج.
كل هذه المؤشرات تقود إلى نتيجة واحدة يكررها كثير من الاقتصاديين: حتى لو بقيت الحرب محصورة جغرافياً في الشرق الأوسط، فإن آثارها الاقتصادية قد تكون عالمية. فأسواق الطاقة تمثل العمود الفقري للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب طويل الأمد فيها يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والصناعة والغذاء، ما ينعكس بدوره على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي. وإذا ترافق ذلك مع التوترات السياسية بين القوى الكبرى والانقسامات داخل التحالفات الدولية، فقد يجد العالم نفسه أمام مزيج خطير من الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية.
وهكذا، مع دخول الحرب يومها السابع عشر، يبدو أن المعركة لم تعد تدور فقط بين الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل بين ممرات الطاقة والمضائق البحرية أيضاً. فالمواجهة التي بدأت عسكرية قد تتحول تدريجياً إلى صراع على الشرايين الاقتصادية للعالم. وإذا استمر التصعيد أو طال أمد الحرب، فإن السؤال لن يكون فقط كيف ستنتهي هذه الحرب، بل كم سيكلف العالم ثمنها اقتصادياً، وهل ستكون الشرارة التي تدفع الاقتصاد العالمي نحو أزمة مالية جديدة تهز الأسواق من نيويورك إلى طوكيو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى