مضيق هرمز يدمر اقتصاد العالم وينسف التحالفات ويتسبب في أزمة دولية

صورة بالذكاء الاصطناعي

 

 

نيويورك – زينة بلقاسم – الأمم المتحدة

سبعة عشر يوماً على اندلاع الحرب منذ الثامن والعشرين من فبراير، ومع كل تصعيد عسكري، تتكشف حقيقة باتت واضحة: المعركة لم تعد فقط في السماء أو على الأرض، بل في هذا الممر البحري الضيق الذي يحمل على عاتقه توازن الاقتصاد العالمي. مضيق هرمز لم يعد مجرد جغرافيا، بل تحول إلى سلاح استراتيجي قادر على إرباك الأسواق، تفكيك التحالفات، ودفع العالم نحو أزمة متعددة الأبعاد.

يقع مضيق هرمز بين إيران شمالاً وسلطنة عُمان جنوباً، ويربط الخليج العربي بخليج عُمان والمحيط الهندي. يبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو ٣٣ كيلومتراً، فيما لا تتجاوز ممرات الملاحة الفعلية للسفن العملاقة بضعة كيلومترات في كل اتجاه. هذا الضيق الجغرافي يجعل منه نقطة اختناق عالمية، حيث يمكن لأي تهديد، حتى وإن كان محدوداً، أن يعطل حركة التجارة بشكل واسع وسريع.

في الأوقات الطبيعية، يمر عبر المضيق ما بين ٢٠ إلى ٢١ مليون برميل نفط يومياً، أي ما يقارب ٢٠٪ من الاستهلاك العالمي. كما يعبر من خلاله نحو ٣٣٪ من تجارة الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً من قطر، إضافة إلى منتجات بترولية ومواد بتروكيماوية وسلع صناعية متجهة إلى الأسواق العالمية. هذه الأرقام تجعل من هرمز شرياناً لا بديل حقيقياً له في المدى القصير.

الدول الأكثر اعتماداً على هذا الممر هي القوى الصناعية الكبرى في آسيا. الصين تعتمد على المضيق لنحو ٨٠٪ إلى ٩٠٪ من وارداتها النفطية من الخليج، بينما تعتمد اليابان وكوريا الجنوبية بنسبة تتجاوز ٧٠٪، وتأتي الهند ضمن الدول الأكثر تأثراً أيضاً. أما أوروبا، فرغم تنويع مصادرها، فإنها تبقى مرتبطة بشكل غير مباشر بإمدادات الطاقة التي تمر عبر هذا الممر الحيوي.

لكن مع دخول الحرب يومها السابع عشر، تغيّر المشهد جذرياً. لم يُغلق المضيق بالكامل، لكن مجرد التهديد بإغلاقه أو تقييد الملاحة فيه كان كافياً لإحداث صدمة عالمية. أسعار النفط قفزت بنسب تتراوح بين ٤٠٪ و٥٠٪ مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، فيما ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنحو ٥٠٪، لتعود القارة إلى أجواء أزمة الطاقة التي لم تخرج منها بالكامل منذ سنوات.

هذه الأرقام لا تعكس فقط نقصاً في الإمدادات، بل حالة من الذعر في الأسواق. شركات الشحن رفعت تكاليف النقل، وشركات التأمين رفعت أقساطها على السفن العابرة للمضيق بشكل كبير. بعض السفن بدأت بتغيير مساراتها إلى طرق أطول عبر البحر الأحمر أو حول أفريقيا، ما يزيد زمن الرحلات وتكاليفها، وينعكس مباشرة على أسعار السلع عالمياً، من الوقود إلى الغذاء.

في مواجهة هذه الأزمة، حاولت بعض الدول إيجاد بدائل. السعودية بدأت بتحويل جزء من صادراتها إلى البحر الأحمر عبر خط أنابيب يصل شرق المملكة بغربها إلى ميناء ينبع. لكن هذه البدائل تبقى محدودة، ولا يمكنها تعويض الكميات الهائلة التي تمر يومياً عبر مضيق هرمز. أما دول مثل الكويت وقطر والإمارات، فتعتمد بشكل أكبر على هذا الممر، ما يجعلها أكثر عرضة لأي اضطراب.

سياسياً، كشفت الأزمة عن تصدعات واضحة في التحالفات الدولية. الولايات المتحدة دعت إلى تشكيل تحالف دولي لحماية المضيق، لكن الاستجابة كانت محدودة. الصين دعت إلى التهدئة، اليابان رفضت إرسال قوات، وفرنسا وألمانيا وبريطانيا أبدت تحفظاً على الانخراط العسكري. هذا التباين لم يكن صدفة، بل يعكس اختلافاً في المصالح وفي تقدير المخاطر.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاول الضغط على الحلفاء، محذراً من أن حلف شمال الأطلسي قد يواجه مستقبلاً صعباً إذا لم يشارك في حماية المضيق. لكنه في الوقت نفسه أقر بأن اعتماد الولايات المتحدة على نفط المضيق لا يتجاوز ٢٪، في حين تعتمد دول أخرى، مثل الصين، بشكل شبه كامل عليه. هذه المفارقة تفسر لماذا تبدو الأزمة بالنسبة للبعض وجودية، وبالنسبة لآخرين ورقة ضغط سياسية.

في المقابل، تستخدم إيران المضيق كورقة استراتيجية دون الحاجة إلى إغلاقه بالكامل. فهي تتحدث عن تقييد المرور أمام “الأعداء”، وتسمح بمرور سفن أخرى بشروط، ما يخلق حالة من الغموض المقصود. هذا الغموض بحد ذاته سلاح، لأنه يرفع كلفة المخاطر دون الوصول إلى مواجهة شاملة، ويجعل المضيق في حالة توتر دائم.

المقارنة مع الفترات الطبيعية تكشف حجم التحول. في الأوقات العادية، يعمل المضيق ضمن نظام عالمي مستقر نسبياً، حيث تتدفق الطاقة بسلاسة وتبقى الأسعار ضمن نطاق يمكن التنبؤ به. أما في زمن الحرب، فقد أصبح نقطة اختناق، حيث يكفي تهديد محدود لإحداث اضطراب عالمي واسع.

ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند الاقتصاد فقط. ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على الصناعات، ويرفع تكاليف النقل، ويزيد من أسعار الغذاء، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم عالمياً. كما أن استمرار التوتر يدفع الدول إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية، سواء في ما يتعلق بتحالفاتها أو بسياساتها الطاقية.

في المحصلة، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري، بل أصبح مركزاً يعاد من خلاله تشكيل النظام العالمي. من يسيطر عليه لا يتحكم فقط في تدفق النفط والغاز، بل في إيقاع الاقتصاد الدولي وفي توازن القوى بين الدول. وفي هذه الحرب، يبدو أن السيطرة على هذا المضيق قد تكون أكثر تأثيراً من أي انتصار عسكري تقليدي، لأنها تضرب في عمق النظام الذي يقوم عليه العالم الحديث: الطاقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى