الحرب الأميركية –الإسرائيلية و إيران في يومها الثالث: “أميركا أولاً” بين كلفة اللحظة ورهان ما بعد العاصفة

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
لم تعد المعادلة في يومها الثالث من الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، تُقاس بمدى قوة الضربة بقدر ما تُقاس بقدرة واشنطن على تحمّل ارتداداتها السياسية والاقتصادية والإنسانية، وهي ارتدادات بدأت تتشكل باكراً على الأرض وفي الأسواق وفي المزاج العام. وبحسب وكالة أسوشيتد برس، أكدت المؤسسة العسكرية الأميركية مقتل أربعة من العسكريين الأميركيين وإصابة خمسة بجروح خطِرة خلال العمليات، في أول حصيلة بشرية أميركية بارزة منذ انطلاق هذه المواجهة الواسعة. هذا النوع من الأخبار لا يبقى في خانة الخسائر العسكرية فحسب؛ إذ يتحوّل فوراً إلى ملف داخلي بالغ الحساسية، لأن ثمن الحرب يصبح محسوساً لدى العائلات والناخبين لا في الخرائط فقط، خصوصاً حين تتزامن الخسائر مع حديثٍ أميركي رسمي عن احتمال امتداد الحملة لأسابيع لا لأيام.
الأشد دلالة أن رقعة التداعيات لم تبقَ في حدود تبادل الضربات التقليدي، بل بدأت تلامس رموز الحضور الأميركي ومفاصل أمن الطاقة معاً. وبحسب تغطية مشتركة نقلتها الجزيرة عن وكالات بينها رويترز، طالت الضربات أصولاً أميركية في أكثر من دولة خليجية تستضيف حضوراً عسكرياً أميركياً، في سياق رد إيراني على الضربات المشتركة. وفي طبقة تقنية أكثر حساسية، وبحسب مواد مصورة جرى تحديد مواقعها جغرافياً ضمن تقرير منشور عبر ياهو، ظهر ما وُصف بأنه إصابة لهدف قريب من قاعدة أميركية في المنامة بالبحرين، مع حديث عن ضربة طالت قبة أو منشأة رادارية. هذا التفصيل ليس هامشياً: ف إصابة الرادارات أو عقد الإنذار المبكر تعني عملياً ارتفاع كلفة الحماية اليومية للقواعد والقوافل البحرية ومسارات الطيران، أي أن فاتورة الدفاع تصبح جزءاً من فاتورة الحرب نفسها.
ثم تأتي طبقة حرب الوكلاء التي تحاول واشنطن تاريخياً تفاديها لأنها تجعل الاشتباك متعدد الجبهات بلا سقف واضح. هنا تتراكم الإشارات لا كحقائق نهائية واحدة، بل كسلسلة مخاطر متصاعدة حيث: بحسب تقارير وتحليلات منشورة عن شبكات حلفاء طهران الإقليميين، يبقى احتمال تفعيل أذرع إيران من جماعات مسلحة عراقية إلى حزب الله الذين اندمجوا فعلا في هذه الحرب في اليوم الثاني، مع ترقب دور الحوثيين في باب المندب والضغط على الملاحة جزءاً من معادلة الردع والردع المضاد. وما يزيد حساسية هذا المسار أن المنطقة تعرف مسبقاً أثر تهديدات الممرات البحرية على التأمين والشحن وأسعار الطاقة، وهو ما يجعل أي رسالة من هذا النوع قادرة على تحويل الحرب من مواجهة جوية إلى نزاعٍ يطال التجارة العالمية.
لهذا قفز النفط بسرعة وبحدّة. وبحسب تغطيات اقتصادية دولية عن حركة الأسواق، سجّل خام برنت ارتفاعات لافتة تزامناً مع مخاوف تعطّل الإمدادات وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، وترددت تقديرات في السوق عن سيناريوهات قد تدفع الأسعار لتجاوز مئة دولار للبرميل إذا استمر الاضطراب أو اقتربت المنطقة من شللٍ بحري. وفي تغطية للأسواق، أشارت أسوشيتد برس إلى ارتفاع خام برنت ليقارب ثمانين دولاراً مع تراجع في مؤشرات الأسهم وتوجه المستثمرين إلى أصول الملاذ الآمن. أمّا بيت القصيد فهو أن النفط لا يصعد وحده، ف معه تصعد تكاليف النقل، والتأمين، وسلاسل الإمداد، ويقترب التضخم من إعادة إشعال نفسه في الاقتصادات الكبرى. ووسط هذا كله، يظل مضيق هرمز عقدة طاقة عالمية؛ أي تعثرٍ فيه ينعكس فوراً على الأسعار والسلع والنقل، لا في الخليج وحده بل في كل العواصم.
هنا بالذات تتعقد معادلة الرئيس الامريكي “دونالد ترامب”، ليس لأن الحرب تُقرأ تلقائياً كخطأ، بل لأن كلفتها تصطدم بوعد انتخابي مركزي بأن ولايته الثانية ستكون عنوان “تجنّب الحروب” وعدم الزج بالجنود في مستنقعات الشرق الأوسط، وأن نهجه يقوم على إيقاف الحروب لا فتحها. غير أن السياسة لا تُدار بالشعارات وحدها؛ بل تُدار بالزمن أيضاً. وبحسب ما أوردته تغطيات دولية عن الموقف الأميركي، جرى تداول تقدير من الرئيس الامريكي نفسه مفاده أن الحملة قد تمتد لنحو أربعة أسابيع، بعد أن قُدّمت في بداياتها، وفق الانطباع العام، كعملية خاطفة تعتمد على التفوق الضارب. الفارق بين أيام وأسابيع ليس حساباً عسكرياً فقط؛ بل إنه فارق في قدرة الرأي العام على الصبر، وقدرة الأسواق على هضم الصدمة دون أن تتحول إلى موجة تضخم جديدة، وقدرة التحالفات على الثبات من دون أن تبدأ بالتململ.
لكن من زاوية التفكير المنطقي المتداولة من الرئيس ترامب وأنصاره عادة، فإن الحرب حتى إن حملت كلفة آنية، قد تُسوَّق ك “استثمار قاسٍ” لتقليل كلفة أكبر في المستقبل حيث: ردع إيران عن تهديد المصالح الأميركية، و حماية القواعد والحلفاء، وضمان أمن ممرات الطاقة، وفرض معادلة تمنع تكرار الابتزاز الإقليمي. هذه هي نقطة أميركا أولاً كما قد تُطرح داخل البيت الأبيض، و هنا ليس المطلوب إرضاء العالم، بل خفض المخاطر التي تُصيب الأميركيين في النهاية، سواء جاءت عبر الصواريخ أو عبر أسعار الطاقة. لكن هذه السردية لا تصمد وحدها إن لم تُترجم إلى نتائج قابلة للقياس حيث: انخفاض ملموس في قدرة الخصم على تهديد القواعد، و تراجع فعلي لمخاطر الملاحة، وتماسكٌ في منظومة الردع لا مجرد موجة ضربات ترفع حرارة المنطقة ثم تترك واشنطن أمام استنزاف طويل.
وتزداد المفارقة حدة حين يتداخل البُعد الرمزي مع البُعد الاستراتيجي، خصوصاً مع توسع الأخبار عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وما فتحه ذلك من باب احتمالات داخل إيران وخارجها. وبحسب تغطيات إخبارية دولية متواصلة للحرب وتداعياتها، جرى التعامل مع مقتل خامنئي بوصفه لحظة مفصلية رفعت مستوى التصعيد وأطلقت ردود فعل أوسع في الإقليم. وفي منطق أميركا أولاً، قد يُنظر إلى هذه اللحظة كضربة تُربك مركز القرار الإيراني وتحدّ من قدرته على ضبط شبكاته، لكنها في المقابل قد تدفع إلى سيناريو معاكس تتمثل في: فراغ قيادة، و فوضى قرار، أو تصعيد انتقامي غير منضبط، وهو ما يرفع كلفة حماية القواعد والمصالح الأميركية حول الخليج وخارجه، ويجعل الحسابات الأمنية اليومية أكثر تعقيداً لا أقل.
داخلياً، يلوح سؤال الانتخابات النصفية كظل ثقيل فوق أي حرب ممتدة، لأن السياسة الأميركية لا تفصل الأمن عن الجيب. وكلما ارتفع النفط أو استمر التوتر في الأسواق، يصبح الاقتصاد هو العنوان الذي يضغط على الرئيس وحزبه أكثر من أي بيان عسكري. ووفق قراءة اقتصادية نشرتها صحيفة واشنطن بوست عن أثر الحرب على جيوب الأميركيين والأسواق، فإن اضطراب الشحن وارتفاع كلفة المخاطر قد يترجم سريعاً إلى ضغط على الأسعار، وإلى نقاش سياسي حول ما إذا كانت الحرب تُدار بسقف واضح أم أنها تتدحرج إلى استنزاف. هنا تتجسد فلسفة الرئيس الامريكي المعلنة، “أميركا أولاً”، بمعيارٍ واحد قاسٍ: كل أسبوع إضافي يجب أن يبرر نفسه بمكسبٍ أمني ملموس، وإلا تحوّل إلى عبء انتخابي واقتصادي يتناقض مع جوهر الوعد الذي قُدّم للناخبين.
أما خارجياً، فكل أسبوع إضافي من الانخراط الأميركي يفتح نافذة لمنافسي واشنطن. ليست المسألة أن الصين أو روسيا سوف تقفزان فوراً لملء الفراغ، بل أن تشتيت الانتباه الأميركي يمنحهما مجالاً للمناورة حيث بكين تراقب أسعار الطاقة وطرق الإمداد التي تمس اقتصادها، وموسكو تراقب ما إذا كانت واشنطن ستُستنزف بما يخفف ضغطها في ملفات أخرى. وفي قلب هذا كله يظل مضيق هرمز هو المفصل: وبحسب تغطيات الأسواق التي ربطت بين المخاطر البحرية وسعر البرميل، فإن مجرد تزايد المخاوف حول أمن العبور يمكن أن يدفع الأسعار إلى مسارات صعود حادة، بما يضغط على الاقتصاد العالمي كله، ويعيد ترتيب الأولويات لدى أوروبا وآسيا.
في المحصلة، الكلفة القصيرة المدى تبدو واضحة الملامح تتمثل في: الخسائر البشرية الأميركية بدأت تتصدر العناوين، و مخاطر على منظومات إنذار وحماية في الخليج، و قلق متصاعد من تفعيل أذرع إقليمية، واضطراب في الأسواق انعكس على النفط والأسهم. أمّا الكلفة الطويلة المدى فمرهونة بسؤال واحد يحدد كل شيء: هل تستطيع واشنطن تحويل الحرب إلى معادلة ردع تُقفل باب الابتزاز وتؤمّن المصالح الأميركية فعلاً، أم تتحول العملية، مع امتدادها لأسابيع، إلى استنزاف جديد يضغط على الاقتصاد ويستهلك رأس المال السياسي ويمنح المنافسين مجالاً أوسع للحركة؟ وبين هذين الحدّين، سيبقى ميزان “أميركا أولاً” بلا رحمة حيث الجمهور قد يتسامح مع الكلفة إذا رأى نتيجة تُحسن أمنه ومعيشته، لكنه لن يتسامح طويلاً مع حرب تُترجم في حياته اليومية إلى ارتفاع أسعار وتضخم وخوف بلا أفق واضح.


