حرب بلا هوادة: مضيق هرمز يدمر اقتصاد العالم والتحالفات ويتسبب في أزمة دولية

نيويورك – زينة بلقاسم –
أربعة وعشرون يوماً على اندلاع الحرب منذ ٢٨ فبراير، والمشهد لم يعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحول إلى أزمة مركبة تتقاطع فيها الجغرافيا بالطاقة بالسياسة الدولية. مضيق هرمز لم يعد ممراً بحرياً فحسب، بل أصبح محور الصراع الحقيقي، حيث تتركز حوله حسابات القوى الكبرى، وتتحدد من خلاله اتجاهات الاقتصاد العالمي، وتُختبر صلابة التحالفات.
في الظروف الطبيعية، يمر عبر المضيق ما بين ٢٠ إلى ٢١ مليون برميل نفط يومياً، أي نحو ٢٠٪ من الإمدادات العالمية، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً من قطر التي تعد أحد أكبر مصدريه في العالم. لكن وفق تقارير حديثة لرويترز و”وول ستريت جورنال”، فإن تدفقات النفط تراجعت بشكل ملحوظ خلال الأيام الأخيرة لتقترب من حدود ١٠ ملايين برميل يومياً فقط، نتيجة التهديدات الأمنية والهجمات التي طالت موانئ ومنشآت حيوية في الخليج وإيران.
هذا التراجع الحاد لم يكن مجرد رقم في تقارير الطاقة، بل كان كفيلاً بإحداث صدمة مباشرة في الأسواق. فقد ارتفعت أسعار النفط لتتجاوز نطاق ١١٣ إلى ١١٧ دولاراً للبرميل، مع توقعات في الأسواق بوصولها إلى ١٢٠ دولاراً وربما أكثر إذا استمر التصعيد، وفق تحليلات نقلتها مصادر اخبارية. أما الغاز في أوروبا، فقد ارتفع بأكثر من ٣٠٪ منذ إدخال منشآت الغاز في دائرة الاستهداف، مع تحذيرات من أزمة قد تمتد إلى عام 2027 في حال استمرار الاضطراب في الإمدادات.
في هذا السياق، لم يعد تأثير الحرب اقتصادياً فقط، بل أصبح سياسياً بامتياز. الإدارة الأمريكية، بقيادة رئيسها دونالد ترامب، كثفت من ضغوطها على حلفائها للمشاركة في تأمين المضيق، ولوّحت بخيارات عسكرية أوسع، بما في ذلك نشر قوات برية أو السيطرة على مواقع استراتيجية لضمان تدفق الطاقة. لكن الرد الدولي جاء متحفظاً. حيث دعت الصين إلى التهدئة، و ربطت اليابان أي تدخل بوقف إطلاق النار، فيما أبدت دول أوروبية كفرنسا وألمانيا وبريطانيا حذراً واضحاً من الانجرار إلى مواجهة مباشرة، وفق ما نقلته “رويترز” و”بي بي سي”.
و يعكس هذا التردد إدراكاً متزايداً بأن أي تدخل عسكري في المضيق قد يؤدي إلى تصعيد غير قابل للاحتواء، خصوصاً مع قدرة إيران على استخدام أدوات غير تقليدية لتعطيل الملاحة، من ألغام بحرية إلى زوارق سريعة ومسيّرات. وتشير تقديرات عسكرية تداولتها وسائل إعلام دولية إلى أن زرع نحو ٣٠٠ لغم فقط قد يكون كافياً لإغلاق المضيق فعلياً، ولو بشكل مؤقت، وهو ما يكفي لإحداث صدمة عالمية في أسواق الطاقة.
في المقابل، تمارس إيران استراتيجية “الغموض المحسوب”. فهي لا تعلن إغلاق المضيق بالكامل، لكنها تلوّح بتقييد المرور أمام ما تصفه بسفن “الأعداء”، ما يخلق حالة من عدم اليقين تدفع شركات الشحن إلى إعادة تقييم مخاطر العبور. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع كبير في تكاليف التأمين البحري، حيث تضاعفت بعض الأقساط عدة مرات، وفق تقارير اقتصادية نقلتها “وول ستريت جورنال”.
هذا الواقع دفع بعض الدول المنتجة إلى البحث عن بدائل. السعودية، على سبيل المثال، عززت استخدام خط الأنابيب الممتد من شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، في محاولة لتجاوز المضيق. لكن هذه البدائل، رغم أهميتها، لا تستطيع تعويض كامل الكميات التي تمر عبر هرمز، ما يبقي السوق العالمية في حالة هشاشة شديدة.
في أوروبا، تتعمق الأزمة بشكل متسارع. القارة التي لم تتعافَ بالكامل من تداعيات حرب أوكرانيا تجد نفسها أمام صدمة طاقة جديدة. البدائل المطروحة، مثل زيادة الاستيراد من النرويج والجزائر أو الاعتماد على الغاز الأمريكي، لا توفر حلاً سريعاً أو كافياً. بل إن بعض الدول بدأت بالفعل في العودة إلى استخدام الفحم لتأمين احتياجاتها، وهو خيار يعكس حجم الضغوط الاقتصادية، بحسب وكلات اخبارية عالمية”.
أما على مستوى التحالفات الدولية، فقد بدأت التصدعات تظهر بوضوح. الضغوط الأمريكية على حلفائها، مقابل التردد الأوروبي، ومحاولات الصين الحفاظ على موقعها بين الطرفين، كلها مؤشرات على إعادة تشكيل تدريجية للنظام الدولي. روسيا، من جهتها، حذرت من أن استمرار هذا التصعيد قد يدفع دولاً إلى البحث عن ضمانات أمنية بديلة، في إشارة ضمنية إلى سباق تسلح محتمل.
في المحصلة، يكشف اليوم الرابع والعشرون من الحرب أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل أصبح أداة استراتيجية تعيد رسم موازين القوة العالمية. إغلاقه، أو حتى التهديد بإغلاقه، لا يؤثر فقط على أسعار النفط، بل يطال سلاسل الإمداد، والتضخم، والاستقرار السياسي في العديد من الدول.
المقارنة مع الفترات الطبيعية توضح حجم التحول. في الأوقات العادية، يعمل المضيق ضمن نظام عالمي مستقر نسبياً، حيث تتدفق الطاقة بسلاسة وتبقى الأسعار ضمن نطاق يمكن التنبؤ به. أما اليوم، فقد تحول إلى نقطة اختناق حقيقية، حيث يكفي تهديد واحد أو حادث محدود لإحداث اضطراب عالمي واسع.
وهكذا، لم تعد المعركة تُحسم فقط في ساحات القتال، بل في هذا الممر الضيق الذي لا يتجاوز عرضه بضعة كيلومترات، لكنه يحمل على عاتقه استقرار الاقتصاد العالمي، ومستقبل التحالفات الدولية، وربما شكل النظام العالمي في السنوات المقبلة. المقال ١٠١: زينة بلقاسم



