الحرب الروسية الاوكرانية،حرب الاستنزاف في عامها الخامس: نيران “تتارستان” ترسم ملامح الحسم الجيوسياسي

بقلم: أ د/ دحان النجار
ميشجان ،
مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس، لم تعد الجبهات مجرد مسرح للاشتباك العسكري التقليدي، بل تحولت إلى ساحة لصراع “الإرادات الاستراتيجية” بين القوى الكبرى. وفيما تتصاعد أعمدة الدخان من مصافي النفط في قلب روسيا، تهمس أروقة الدبلوماسية الدولية بتساؤلات ملحة: هل وصلت الأطراف إلى نقطة الإنهاك التي تجبر الجميع على مقايضة السلاح بطاولة المفاوضات؟
واقع الميدان: “قضم” الأرض وصراع الموارد
تشير المعطيات الميدانية في مطلع أبريل 2026 إلى وصول القوات الروسية لسيطرة شبه كاملة على إقليم لوغانسك، مما يضع ضغطاً هائلاً على الدفاعات الأوكرانية في دونيتسك. ومع ذلك، يواجه الطرفان تحدياً مشتركاً يتمثل في “أزمة الموارد البشرية”؛ فبينما تعتمد موسكو على نظام التجنيد التعاقدي، تواجه كييف صعوبات متزايدة في تعويض خسائرها البشرية، مما جعل الحرب تتحول تدريجياً من مواجهة “أبدان” إلى مواجهة “تقنيات”.
حرب المسيرات: خنق الشرايين في “تتارستان”
التطور الأبرز الذي طرأ على المشهد هو نقل أوكرانيا للمعركة إلى العمق الاستراتيجي الروسي، وتحديداً في جمهورية تتارستان على بُعد 1200 كيلومتر من الحدود. لم تكن الضربات التي استهدفت مصفاة “تانييكو” ومجمع “نيجنكامسك” الصناعي مجرد هجمات عابرة، بل هي استراتيجية “خنق” ممنهجة تهدف إلى:
• تعطيل آلة الحرب: عبر استهداف وحدات تقطير وقود الطائرات والديزل.
• شل الاقتصاد: بضرب عقد حيوية في خط أنابيب “دروجبا” (الصداقة)، مما قلص القدرة الروسية على تصدير المشتقات النفطية ذات القيمة المضافة.
• تشتيت الدفاعات: إجبار موسكو على سحب منظومات (S-400) من الجبهة لحماية مربعاتها الصناعية في الأورال.
رد الفعل الروسي: “الردع المفرط”
في المقابل، لم تكتفِ موسكو بالدفاع؛ بل بدأت بتنفيذ ما يُعرف بـ”استراتيجية الإظلام الشامل”، مستهدفةً ما تبقى من شبكة الطاقة الأوكرانية ومراكز التخزين تحت الأرض. ويرى محللون أن الكرملين يتجه نحو تصعيد “سيمتري” (متماثل)، حيث يُعتبر استهداف المصافي الحيوية تهديداً وجودياً قد يدفع موسكو لتعديل عقيدتها النووية أو تكثيف استخدام الصواريخ الفرط صوتية لاستهداف “رؤوس التخطيط” في كييف.
أفق 2026: بين الهدنة الهشة والاستنزاف الطويل
دبلوماسياً، يبدو أن هناك حراكاً تحت الرماد. فرغم تمسك موسكو بـ “الاعتراف بالواقع الميداني الجديد”، إلا أن إشارات “الواقعية” التي بدأت تظهر في تصريحات كييف حول إمكانية وقف إطلاق النار على طول الخط الحالي، تعكس ضغوطاً دولية (لا سيما من الإدارة الأمريكية الجديدة) لإنهاء الاستنزاف.
وتقف الأزمة اليوم أمام ثلاثة سيناريوهات:
1. سيناريو “التجميد”: الوصول لاتفاق على غرار النموذج الكوري (وقف قتال دون اعتراف بالحدود).
2. سيناريو “الحسم الميداني”: استكمال روسيا للسيطرة على دونباس قبل التفاوض من موقع قوة.
3. سيناريو “الانفجار الكبير”: انزلاق الطرفين لمواجهة أوسع نتيجة استمرار استهداف العمق الاستراتيجي.
خاتمة
إن وصول النيران إلى مصافي تتارستان في ربيع 2026 يثبت أن الحرب لم تعد تُقاس بالكيلومترات المستعادة، بل بمدى قدرة كل طرف على تحمل كلفة الحرب الشاملة. وسواء انتهى العام باتفاق سلام أو بهدنة قلقة، فإن الخريطة الجيوسياسية لأوروبا الشرقية قد تغيرت إلى الأبد، بانتظار من سيصرخ أولاً في هذه المبارزة الطويلة.



