نيويورك تُصافح الرياض… ورسالة ناسداك: السوق السعودية تعيد تعريف الجاذبية الاستثمارية العالمية

نيويورك – خاص – زينة بلقاسم –
في لحظةٍ تتقاطع فيها أسواق المال مع تحولات جيوسياسية معقّدة، وتبحث فيها المؤسسات الاستثمارية عن بيئات أكثر قابلية للتنبؤ والحوكمة، جاء منتدى أسواق رأس المال في نيويورك ، المنعقد ليومي الثاني والثالث من فبراير ٢٠٢٦، ليؤكد أن مراكز المال العالمية لم تعد تكتفي بمراقبة التحولات الاقتصادية، بل باتت شريكًا مباشرًا في صناعتها. و لم تكن كلمة الافتتاح التي ألقتها رئيسة مجلس الإدارة والرئيسة التنفيذية لناسداك “أدينا فريدمان” بروتوكولية، بل عكست إدراكًا متقدمًا بأن الشراكات بين البورصات، وفي مقدمتها التعاون مع مجموعة تداول السعودية، أصبحت رافعة لتعزيز الثقة، وبناء أسواق أكثر تماسكًا، في عالم تتراجع فيه اليقينيات التقليدية وتتصاعد فيه أهمية التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في إدارة المخاطر وتسعير الأصول.
لا تكمن أهمية هذا المنتدى في انعقاده بنيويورك فحسب، بل في الرسالة التي حملها: بأنّ السوق السعودية باتت تُناقَش في قلب المال العالمي بوصفها منظومة متكاملة، لا مجرد سوق ناشئة. فالمملكة لا تعرض فرص استثمار فقط، بل تقدّم نموذجًا لكيفية بناء سوق حديثة تدمج الإصلاحات التنظيمية، والانفتاح الرأسمالي، والتحول الرقمي، مع رؤية ٢٠٣٠ الاستراتيجية الطويلة الأمد. ولم يكن حضور القيادات السعودية في هذا الحدث شكليًا، بل جاء ليعرض العقل المؤسسي الذي يقود هذا التحول.
جاء في مقدمة هؤلاء، السيد محمد الرميح، الرئيس التنفيذي للسوق المالية السعودية (تداول)، الذي قدّم السوق بوصفها منصة تتطوّر على مستويين متوازيين: مستوى الحوكمة والانفتاح الاستثماري، ومستوى التحديث التقني ودمج الذكاء الاصطناعي في عمليات السوق. ركّز “الرميح” على أن استخدام أدوات التحليل المتقدم والبيانات الضخمة لم يعد خيارًا، بل ضرورة لتعزيز كفاءة التسعير، وتحسين إدارة السيولة، ودعم قرارات المستثمرين في بيئة عالمية شديدة التقلب. ولا تسعى السوق السعودية، من هذا المنظور، فقط لجذب رأس المال، بل لغاية توفير بنية ذكية قادرة على استيعاب هذا الرأس المال وإدارته بكفاءة.
وإلى جانبه، لعب السيد “نايف العتيق”، الرئيس التنفيذي للتسويق والاتصال في مجموعة تداول، دورًا محوريًا في نقل صورة السوق السعودية إلى المستثمر الدولي بلغة الأسواق لا بلغة الشعارات. شدّد “العتيق” على أن بناء الثقة اليوم يمر عبر الشفافية الرقمية، وتدفق المعلومات في الوقت الحقيقي، واستخدام التقنيات الذكية في التواصل مع المستثمرين، بما يجعل السوق السعودية أكثر قابلية للفهم والمقارنة مع نظيراتها العالمية. وقد أصبح هذا البعد الاتصالي، المدعوم بالتقنية، عنصرًا أساسيًا في جذب المستثمر المؤسسي الذي يقيّم الأسواق ليس فقط بالعوائد، بل بوضوح البيانات وسهولة الوصول إليها.
أما السيد “يزيد الدميجي”، الرئيس التنفيذي لشركة وميد، فقد نقل النقاش إلى عمق البنية التحتية المالية، حيث أوضح كيف يشكّل دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة ما بعد التداول، والإيداع والحفظ، أداة أساسية لخفض المخاطر التشغيلية، ورفع كفاءة التسويات، وتعزيز استقرار السوق في أوقات الضغط. هذا المستوى من التطوير التقني لا يراه المستثمر عادة في العناوين، لكنه يشكّل الأساس الذي تُبنى عليه الثقة طويلة الأجل في أي سوق تسعى للعب دور إقليمي وعالمي.
ومن الزاوية التنظيمية، قدّم السيد “عبدالعزيز بن حسّان”، عضو مجلس مفوضي هيئة السوق المالية، رؤية متوازنة لكيفية تعامل الجهة الرقابية مع هذا التحول. فدمج الذكاء الاصطناعي في الأسواق لا يعني إطلاقه بلا ضوابط، بل إدخاله ضمن إطار رقابي يضمن النزاهة، وحماية المستثمر، واستقرار السوق. و رسالة المملكة هنا كانت واضحة: السعودية لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة مضاربة أو سرعة فقط، بل كوسيلة لتعزيز الامتثال، وكشف المخاطر المبكرة، ورفع جودة الرقابة في سوق آخذة في الانفتاح.
عكس هذا التكامل بين إدارة السوق، والتواصل الاستراتيجي، والبنية التحتية، والإطار التنظيمي، و يعكس جوهر التحول السعودي منذ ٢٠١٨، مع تسارع تنفيذ رؤية السعودية ٢٠٣٠ بقيادة ولي العهد الأمير “محمد بن سلمان”. فالرؤية لم تستهدف تنويع الاقتصاد فحسب، بل إعادة بناء مؤسساته لتكون قادرة على التفاعل مع اقتصاد عالمي تقوده البيانات والتقنية. و كان إدراج السوق السعودية ضمن مؤشرات عالمية كبرى منذ ٢٠١٩، خطوة مفصلية في هذا المسار، تبعتها إصلاحات أعمق فتحت السوق أمام المستثمرين الأجانب ورفعت مستوى الانضباط والحوكمة.
و اليوم، ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب النقاش في منتدى نيويورك، يتضح أن السعودية تنتقل من مرحلة اللحاق بالأسواق المتقدمة إلى مرحلة المشاركة في صياغة مستقبلها. أمّا بالنسبة للمستثمرين، وخصوصًا الشباب منهم، فإن هذه المقاربة تفتح آفاقًا أوسع: سوق تتوسع قطاعيًا بفعل مشاريع الرؤية، وتتحول رقميًا بما يسمح بإدارة أفضل للمخاطر، وتقدّم بيئة يمكن فيها بناء استراتيجيات استثمار طويلة الأجل على أسس بيانات وتحليلات أكثر دقة.
الخلاصة أن الرسالة التي تخرج من نيويورك في اليوم الأوّل من هذا الحدث لم تكن مجرد إشادة بسوق واعدة، بل اعتراف بأن السوق السعودية تعيد تعريف الجاذبية الاستثمارية العالمية عبر مزيج نادر من الرؤية السياسية، والإصلاح الاقتصادي، والانفتاح الرأسمالي، والوعي العميق بدور الذكاء الاصطناعي في مستقبل الأسواق. وفي عالم تتزايد فيه الضبابية، تصبح هذه المعادلة، وضوح الرؤية مع جرأة التقنية، أحد أهم أسباب نظر المستثمرين إلى المملكة بوصفها أكثر من فرصة… بل كمنصة استثمارية لمستقبل رأس المال نفسه.



