هل يعيد البيت الأبيض رسم خريطة المال ويدفع أوروبا إلى دخول عصر السيادة الاقتصادية؟

نيويورك – زينة بلقاسم
لم يعد السؤال في العواصم الأوروبية ما إذا كانت قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الثانية ستؤثر على الاقتصاد العالمي، بل إلى أي مدى ستعيد صياغة موازين القوة بين ضفتي الأطلسي. فالعالم الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية على أساس تحالف أميركي/أوروبي متين، سياسيًا وأمنيًا وماليًا، يجد نفسه اليوم أمام لحظة مراجعة عميقة، ليس فقط بسبب تبدل الإدارات، بل بسبب تغير فلسفة إدارة الاقتصاد العالمي ذاتها.
منذ عام 1945، كان التحالف الأطلسي أكثر من مجرد شراكة سياسية؛ لقد كان مشروعًا لإعادة بناء الغرب اقتصاديًا. فجاءت خطة مارشال، و تمت إعادة إعمار أوروبا، و تم تأسيس مؤسسات بريتون وودز، ثم جاء التكامل التجاري عبر الأطلسي، فكرّس هذا اعتمادًا متبادلاً جعل من الدولار الأمريكي مركز النظام المالي، ومن الولايات المتحدة الشريك الاقتصادي الأول لأوروبا. هذا الترابط أنتج عقودًا من النمو والاستقرار النسبي، وأرسى قناعة بأن أمن أوروبا وازدهارها يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد الأميركي.
غير أن السنوات الأخيرة، ومع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أعادت إحياء منطق أميركا أولًا في التجارة والصناعة والتقنية و التوسع في استخدام الرسوم الجمركية، و التشدد في شروط الوصول إلى السوق الأميركية، وإعادة ترتيب أولويات سلاسل الإمداد الصناعية حرصا منه ومن قاعدته الجمهورية إلى النهوض بالاقتصاد الأمريكي و خلق بيئة رخاء للأمريكيين تكون الأفضل عالميا، كلها عوامل دفعت أوروبا إلى إعادة التفكير في نموذجها الاقتصادي. القارة التي تعاني تباطؤًا في النمو، وضغوطًا على الصناعة بسبب كلفة الطاقة، وتحديات ديموغرافية وهيكلية، وجدت نفسها في موقع أكثر هشاشة مقارنة باقتصاد أميركي أكثر ديناميكية.
ولا يعني التدهور الأوروبي انهيارًا شاملاً، لكنه يعكس تراجعًا نسبيًا في القدرة التنافسية والنمو مقارنة بالولايات المتحدة وبعض الاقتصادات الآسيوية. الصناعة الألمانية، على سبيل المثال، واجهت صدمة مزدوجة تمثلت في: ارتفاع أسعار الطاقة بعد الحرب في أوكرانيا، وتصاعد المنافسة الأميركية المدعومة بحوافز صناعية ضخمة. فرنسا وإيطاليا تواجهان بدورهما قيودًا مالية تحدّ من قدرة الحكومات على إطلاق برامج تحفيزية واسعة. أما منطقة اليورو ككل، فلا تزال تعاني من بطء في استكمال اتحاد أسواق رأس المال والاتحاد المصرفي، ما يحد من قدرتها على تعبئة التمويل بكفاءة عبر الحدود.
لكن ما يلفت الانتباه اليوم ليس فقط الأداء الاقتصادي، بل التحول في التفكير الاستراتيجي. فالحديث الأوروبي بات يدور حول السيادة الاقتصادية و الاستقلال الاستراتيجي. هذا المفهوم لم يكن مطروحًا بقوة قبل عقد من الزمن، حين كانت العولمة في أوجها، لكنه أصبح الآن محور النقاش السياسي والمالي.
بريطانيا هي الأخرى تقدم مثالًا واضحًا على هذا التحول. حيث و في ظل سعيها لإعادة تموضع اقتصادي بعد بريكست، بدأت لندن تبحث في تقليل اعتمادها على شبكات المدفوعات الأميركية مثل فيزا وماستركارد، في إطار أوسع لتعزيز السيادة المالية والحد من تعرضها لقرارات تنظيمية أو سياسية أميركية محتملة. و الهدف ليس فقط تقنيًا، بل استراتيجي يتمثل في: بناء بنية تحتية مالية أكثر استقلالًا تكون قادرة على منح صناع القرار هامش مناورة أوسع في حال تصاعد التوترات الجيوسياسية أو فرض قيود عابرة للحدود.
هذا التوجه ليس بريطانيًا فقط. إذ برزت داخل الاتحاد الأوروبي، مبادرات مثل المبادرة الأوروبية للمدفوعات (European Payments Initiative) التي تهدف إلى إنشاء شبكة مدفوعات أوروبية موحدة قادرة على منافسة فيزا وماستركارد، إضافة إلى الدفع نحو إطلاق اليورو الرقمي كأداة سيادية تعزز دور العملة الأوروبية في الاقتصاد الرقمي العالمي. هذه المحاولات تعكس إدراكًا أوروبيًا بأن السيطرة على البنية التحتية للمدفوعات ليست مسألة تجارية فحسب، بل مسألة سيادة.
وفي الخلفية، تتقاطع هذه التحركات مع سعي أوروبي أوسع لتعزيز دور اليورو عالميًا، وتقليل الاعتماد على الدولار في التجارة والطاقة والاحتياطيات. غير أن المفارقة تكمن في أن أي نجاح كبير لليورو قد يؤدي إلى ارتفاع قيمته، ما يضغط على تنافسية الصادرات الأوروبية، وهو ما يثير مخاوف داخل بعض العواصم، خاصة تلك التي تعتمد صناعاتها على الأسواق الخارجية.
لا تقتصر الحلول الأوروبية المطروحة على الجانب المالي. فهناك دعوات لتسريع التكامل الدفاعي، وتوحيد السياسات الصناعية، وتبسيط التشريعات، وتعزيز الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة. و قد أبدت ألمانيا استعدادًا لتقديم تنازلات لتسريع وتيرة التكامل، إدراكًا منها بأن بطء القرار الأوروبي لم يعد يتناسب مع سرعة التحولات العالمية.
العلاقة بين اقتصادات العالم وقرارات الرئيس ترامب في ولايته الثانية لا تُختزل في الرسوم الجمركية فقط، بل تمتد إلى إعادة تعريف مفهوم الشراكة والتحالف. في آسيا، تسعى دول مثل الهند للاستفادة من إعادة توزيع سلاسل الإمداد وجذب استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. و اليابان تواجه تحديات دين عام متضخم في بيئة عوائد مرتفعة. أما أسواق الطاقة، فتبقى رهينة التوازنات الجيوسياسية بين واشنطن وموسكو وطهران.
في النهاية، أوروبا ليست أمام أزمة عابرة، بل أمام اختبار تاريخي شبيه، من حيث الأثر، بلحظات ما بعد الحرب العالمية الثانية، لكن مع اختلاف جوهري: فهذه المرة، لا تبحث القارة عن إعادة إعمار، بل عن إعادة تعريف دورها في نظام عالمي يتغير. والسؤال الذي سيحدد العقد المقبل هو ما إذا كانت أوروبا قادرة على تحويل الضغوط الأميركية إلى حافز للإصلاح والتكامل، أم أنها ستبقى في موقع رد الفعل، في عالم لم يعد ينتظر المترددين؟



