مبارزة دماغين: ترامب x خامنئي … قبل صدام الأسلحة والحرب … وتلغرافات لليمن

 

 

✍️ عبد القادر الجنيد

إيران، تجري اليوم مناورة عسكرية ضخمة بالقرب من مضيق هرمز تشتمل على تدريبات قفل المضيق وضرب الأسطول الأمريكي.
هذا أكبر رد من المرشد الأعلى خامنئي على رفضه للإستسلام لتهديدات ترامب.

حاملة الطائرات الأمريكية الأضخم “جيرالد فورد” تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت، يوم أمس في طريقها لاستكمال حشود الأساطيل التي يرسلها الرئيس ترامب لإجبار إيران على الإستسلام.

هناك تجهيزات من أمريكا لشن الحرب على إيران.
وهناك قبول للتحدي واستعدادات للتصدي لهجوم أمريكا.

موضوعنا نحن اليوم هو عن الصراع بين دماغ ترامب ودماغ خامنئي.

لارا ترامب تستضيف ويتكوف
*
لارا ترامب (Lara Trump) — وهي زوجة ابن الرئيس الأمريكي، معها برنامج حواري عن الآراء My View with Lara Trump — بيناقش قضايا سياسية واجتماعية ويُعرض على قناة فوكس نيوز ‏Fox News.
ضيفها ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الذي يفاوض وزير خارجية إيران عراقچي قال للمذيعة:
“ترامب مندهش من أن خامنئي لا يستسلم وهو يرى كل هذه الأساطيل حول شواطئ بلاده”.

دماغ ترامب، الآن، يندهش.
دماغ خامنئي، الآن يتحدى.

**
أولا: الدماغان يرسمان السياسات ويتخذان القرار
**

كلا من ترامب وخامنئي، قائدان قويان.
أو معهما قوة مطلقة في إتخاذ القرار.
وهما عقائديان.
ويرسمان السياسات.
وهما وحدهما فقط من يصنع القرار ومن يتخذ القرار.
وكلاهما يعتبران انفسهما تاريخيان.
وحريصان على سمعتهما وذكراهما بين الزعماء والرؤساء.
ويهتمان بسمعة ومكانة بلادهما على مر التاريخ.

قد يستمعان لأراء الخبراء والمحللين الاستراتيجيين ولكنهما لا يقبلان أن يشاركهما أي أحد في اتخاذ القرار.

هذا يعني أن القرار يعتمد على الحالة المزاجية والنفسية.
وليس على ما تقوله مبادئ العلوم السياسية والجيوسياسية الثابتة والمستشارين والخبراء.

ترامب، كما أظهر في ولايته الأولى وفي التعريفات الجمركية وفي إغضابه لحلفائه في أوروبا، أنه يميل إلى: اتخاذ قرارات بسرعة، وتغيير مواقفه فجأة، والاعتماد على الحدس وفطرته الداخلية، وإعطاء وزن كبير للصورة الإعلامية والربح السياسي.
لكن هذا لا يعني أنه “مزاجي بلا حساب”.
هو يحسب — لكن حساباته غالبا سياسية وشخصية أكثر من كونها نظرية جيوسياسية تقليدية.

والمصلحة الشخصية عند ترامب متداخلة مع المصلحة السياسية.
هو يرى نفسه تجسيدا للمشروع.
فإذا اهتزت صورته، اهتز المشروع.
وإذا ضعف، ضعفت أمريكا في نظر قاعدته المتحمسة من ماجا MAGA والمسييحيين الإيڤانجليكيين The Evangelicals

لذلك حساباته غالباً تدور حول: كيف سيبدو القرار؟ هل سأظهر قويا؟ هل سيغضب قاعدتي؟ هل سيرفع أو يخفض شعبيتي؟
هذه ليست علوم سياسية كلاسيكية.
هذه سياسة كلها شخصنة في شخصنة.

ترامب قد يستمع إلى مستشاريه في “غرفة المواقف” Situation Room وسوف يشعر بالنعاس وتثقل جفونه ويقول فعلا أنه “شعر بالملل”.
ثم يتخذ قراره على حسب هواه.

ترامب لا يحب أن يُملى عليه.
هو قد يستمع…
لكنه يفضل أن يشعر أن القرار نابع منه.

**
ثانيا: مبارزة بين دماغي ترامب وخامنئي
**
والآن ندخل في مبارزة الأدمغة بين ترامب وخامنئي

١- دماغ ترامب
*
والآن ندخل في دماغ ترامب بعد أن وضع نفسه بنفسه داخل صندوق لا يستطيع الخروج منه.

(١) ترامب أعجبه ما عملته قاذفات B2 العملاقة في يونيو الماضي عندما انطلقت من ولاية ميسوري لمدة ١٨ ساعة وقصفت منشآت إيران النووية بالقنابل الضخمة التي تخترق بطون الجبال ثم تعود سالمة.
ولم تستطع إيران أو لم تتجرأ بالرد عليه.
وأعجبه قدرة القنابل الصوتية الغامضة التي مكنت قوات أمريكا الخاصة من اختطاف رئيس فنزويلا مادورو من بين أيدي حراسه.
واستسلمت نائبة الرئيس لطلباته.

(٢) حشد “الأرمادا الجميلة” تحت ظن أن خامنئي سوف يخاف ويستسلم.

(٣) لا يبدو أن خامنئي قد خاف واستسلم.

(٤) وصلت إشارات من دماغ خامنئي بأن ترامب لن يحقق أهدافه سواء ضرب أم لم يضرب، فاندهش ترامب.

(٥) الذين ينتقدون ترامب يصفون موقفه بأنه محبوس داخل صندوق من صنع نفسه وأنه سوف يخسر إذا ضرب أم لم يضرب.

(٦) ترامب قال اليوم، أن قائد سنتكوم المكلف بشن الحرب على إيران أبلغه أن “الأرمادا الجميلة” كافية لإنجاز المهمة ولتحقيق كل الطلبات:
إيران بلا تخصيب يورانيوم، لا صواريخ، لا وكلاء، لا قمع متظاهرين.

٢- دماغ خامنئي
*
ثم ندخل في دماغ خامنئي الذي بالتأكيد يقرأ كل ما يكتبه الأمريكيون أنفسهم عن ترامب.
إذا كان ترامب عنيدا وعقائديا مرَّة فإن خامنئي عنيدا مرَّتين.
ونحن نقرأ أيضا كل ما يقوله خامنئي وكل ما يكتبه الأمريكيون عن الدماغين.

(١) خامنئي لا يثق بترامب ولا بوعوده ولا بثباته على أي اتفاق.

(٢) مهما أعطى خامنئي من تنازلات لترامب فإنه سوف يعود ويطلب المزيد.

(٣) الغرض الحقيقي لنتنياهو وترامب ليس البرنامج النووي ولكن بقاء إيران مكشوفة ثم إسقاط النظام.

(٤) في دماغ خامنئي، من الأفضل أن يموت واقفا على أن يعيش راكعا على حسب التراث الكربلائي في المذهب الشيعي.
الموت وقوفا والشهادة، هو أعظم انتصار.
وغدا يوم آخر لتصفية الحسابات.

(٥) خامنئي، قد استعد واستفاد من التجارب السابقة في حرب ترامب ونتنياهو ضد إيران في يونيو الماضي، في مسائل:
أ- ترتيب سلسلة القيادة إذا تم قتل خامنئي.
ب- ترامب سلسلة قيادات متتالية عند قتل كل قائد عسكري أو أمني إيران.
ج- سوف يتم إقفال مضيق هرمز منذ أول يوم هجوم أمريكي أو اسرائيلي.
ج- استعمال آلاف الطائرات المسيرات والقوارب المفخخة المموهة أولا لاستنزاف الذخيرة المضادة المرتفعة الثمن والقيمة داخل مدن وأحياء اسرائيل وقواعد أمريكا و “الأرمادا الجميلة” وبعد ذلك إعادة الضربات بنفس الأدوات المعبأة بالذخيرة الحية.

د- دماغ خامنئي يتوقع أنه إذا حدث هذا السيناريو فإن ترامب ونتنياهو سوف يطلبون إيقاف الحرب.
وسوف يمكن التفاوض حتى على رفع العقوبات.

٣- خامنئي يقرأ دماغ ترامب
*
ترامب قرر مسبقا أن دماغ خامنئي بجب أن يدرك أن:
“الضغط الأقصى يؤدي إلى تنازل”.

٤- دماغ ترامب يندهش من دماغ خامنئي
*
بحسب تصريح ستيف ويتكوف لقناة فوكس نيوز أن ترامب لا يستطيع ان يفهم كيف يشتغل دماغ خامنئي، التي هي:
“الصمود الأقصى يؤدي إلى تراجع الخصم”.

ولا بد من أن ترامب يحاول إعادة قراءة دماغ خامنئي من جديد.

**
ثالثا: أصحاب الأدمغة الجيو-سياسية العلمية
**

١- عقل بارد يدرس الأنماط
*
هؤلاء يفكرون ب “العقل البارد” ويضعون سيناريوهات بحسب ما تقوله علوم السياسة والصراعات.
وبحسب الأنماط السابقة لردود أفعال خامنئي عندما ضربه ترامب في رئاسته السابقة وقام باغتيال قاسم سليماني- أعز وأعظم الناس عند خامنئي.
وبحسب نمط رد فعل خامنئي عندما ضربه في يونيو الماضي مع اسرائيل.
تعرض خامنئي للضرب الموجع من قبل ترامب بدون أي رد موجع.

خامنئي، يحب اللعب على حافة الهاوية وليس السقوط في أعماقها.
ترامب، يحب الضغط الأقصى والضربة المحدودة، ثم قطف الثمار بدون الغرق في “حروب لا تنتهي”.

٢- عقل بارد يؤمن بموازين القوة
*
لا يوافقون على أن هذه المواجهة هي “مبارزة إرادات” بين ترامب وخامنئي.
ويقولون أن نتائج هذه المبارزة سوف تنتهي مثل أي مبارزة
وسوف ترتكز على “توازن القوى” بحسب قوانين الصراعات التقليدية.

٣- قراءة دماغ ترامب بالعقل البارد
*
ترامب لا يستطيع التراجع بعد حشد كل هذه الأساطيل.
يخشى ما سوف يقوله عنه خامنئي نفسه.
وبعدها لن يستطيع ترامب أن يحصل على أي تنازلات من خامنئي عن طريق المفاوضات.
يتمنى دماغ ترامب أن يستوعب دماغ خامنئي أمور الدنيا وحقائق الحياة وموازين القوة، وينزف قليلا تحت ضربة ترامباوية محدودة ثم يستسلم.

يتمنى دماغ ترامب ألا يستطيع خامنئي أن يجرجره إلى “حرب طويلة”.
في الحقيقة يعتقد ترامب أنه لا مجال لحرب طويلة لأن ترامب سوف يضرب خامنئي من الجو والبحر فقط ولن يستعمل الجيوش البرية.

ويقول الذين يقرؤون دماغ ترامب بأنه إذا شعر بأنه الحرب لا تجري على هواه، فإن عنده تلك المقدرة العجيبة على تغيير السرديات وعلى تغيير أهدافه عندما يرى أنه قد ابتدأ يخسر.
سوف يقول أن هدفه لم يكن ماكان يعتقده الآخرون.
وسوف يقول أنه قد انتصر.

٤- قراءة دماغ خامنئي بالعقل البارد
*
خامنئي ليس قائدا انتحاريا.
هو براجماتي داخل إطار أيديولوجي.

ثنائية “هيهات منا الذلّة” و “التّققية”
*
وفي الحقيقة فإنه كما أن أيديولوجيته الكربلائية تسير بحسب: “هيهات منا الذلَّة” التي تحث على الموت وقوفا على العيش منحنيا وراكعا على الركبة،
فإنها قد تبلورت لاحقا إلى “التّقية”، التي هي قمة الاستعمال للعقل البارد والنجاة بالنفس حتى باستعمال الكذب والمداهنة والرياء والنفاق.
إلى أن جاء الإمام خامنئي بابتكار “ولاية الفقيه” والعودة إلى “هيهات من الذلّة”.

الخلاصة، برأي المحللين من ذوي العقل البارد بأن خامنئي سوف يستعمل “هيهات من الذلّة” كورقة لتهويش ترامب وإظهار الصمود والتصدي.
ولكنه لأنه شيعي أصيل ومثقف وشاعر وسياسي أيضا فإنه ليس انتحاريا وسوف يستعمل الجزء الثاني من أركان الشيعية وهو “التّقية”.
وسوف يقول أنه قد انتصر.

وبهذا يحقق الهدف النهائي الحقيقي لخامنئي:
البقاء + إدعاء الكرامة + إدعاء الردع.
وسوف يقول خامنئي أنه قد انتصر.

**
رابعا: خامنئي عنيد للغاية
**
إنه عنيد وبارع ويعرف أوراق الضغط.
بعض القارئين لشخصية خامنئي يصرون على أهمية عدم إغفال أهمية العناد في تركيبة شخصية خامنئي.
نعم، هذا أيضا مهم.

هناك استعداد عند خامنئي لتلقي الضربات من ترامب.

خامنئي، حتى مستعد لتحمل أن يموت هو شخصيا.

سوف يكون جيدا عند هذا الرجل الذي قد عاش ٨٦ سنة أن ينتهي بالحصول على “الشهادة” الذي يعتبر من علامات الشرف والكبرياء في العقيدة الكربلائية.
٨٦ سنة تكفي وبالزيادة.

وهناك براعة خامنئي في المفاوضات.
المنشآت النووية قد انضربت فعلا في يونيو الماضي.
خامنئي، يرى أنه يمكنه الحصول على أشياء كبيرة من رفع حصار وعقوبات مقابل تقديم شيء هو غير موجود أصلا.

القضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية، غير مقبول على الإطلاق، لأن هذا سوف يجعل إيران بدون أي قدرة على الردع.

بالنسبة لمسائل توقف إيران المساعدة عن حزب الله فإن اسرائيل قد أصابتهم بالشلل.
أما بالنسبة للحوثيين، فإن ترامب لا يكترث بأمرهم إلى هذه الدرجة.
يكفي أن يبقيهم منبوذين من جيرانهم.

شعب إيران:
بالنسبة لقمع المتظاهرين في شوارع طهران، فإن إيران خامنئي سوف يتراوح بين قمعهم وتسفيههم وعزلهم.
هم في النهاية يتركزون في طهران وبعض المدن.
الباسيج والحرس الثوري، هم أصحاب اليد العليا على المتظاهرين.
الغالبية العظمى من السكان يعيشون في الريف.
الغالبية العظمى سوف ينحازون للوطنية الإيرانية ويلتفون حول العلم الإيراني إذا تعرضوا لضربات اسرائيل وأمريكا من جديد.

**
خامسا: عامل الزمن عند خامنئي وترامب
**

خامنئي، يرى أن ترامب أيضا قد أوقع نفسه في مشاكل في كل مكان ومع كل أصدقاء أمريكا في كندا وأوروبا.
والناتو.
ومع المحكمة العليا.
ومع عموم الناس في أمريكا والناخبين.

خامنئي يرى أن ترامب في مأزق مع الناخبين لأعضاء الكونغرس في نوفمبر القادم.
خامنئي، يرى أن ترامب حتى لو استمر، سوف ينتهي بعد ٣ سنوات.
خامنئي، يرى أنه حتى لو مات خلال الأسابيع القادمة ونال الشهادة، فإن أفكاره سوف تبقى.
لا يهم إن كان ما يراه خامنئي ويعتقده صحيحا أم لا.
خامنئي، يرى أن عامل الزمن يعمل لصالحه سواء عاش أم مات.
وأن عامل الزمن ضد ترامب حتى لو ضرب وحتى لو استمر لأن هذا لن يدوم سواء بفعل الداخل الأمريكي أو العامل الإيراني.

خامنئي يرى الزمن في صالحه، سواء عاش أو مات، وهذا يعزز صموده أمام الضغوط الأمريكية.

ترامب في مأزق داخلي مستمر، وأن كل عمل أمريكي له تأثير محدود وطالما الزمن ضد ترامب، فهو لن يستطيع حسم المعركة بسرعة.

**
سادسا: العبرة والدروس في اليمن
**
انجذابي لإقحام أزمة اليمن عند بحث كل الصراعات والأزمات، لا يقاوم.
بعد كل هذا المجهود، لا أستطيع أن أقاوم الاستفاده منه في اليمن.
ولكن الموضوع قد طال، وعلى هذا سوف أستعمل الرسائل التلغرافية القصيرة عن كل أطراف الصراع.

١- الحوثي:
سوف يجابه اليمنيون مع الحوثي نفس الصعوبات التي يواجهها ترامب مع خامنئي.

٢- إيران:
لن تتخلى عن الحوثي ببساطة، وتعتقد أنها مازالت تكبل السعودية باتفاقية الصين في ٢٠٢٣ وتفاهمات بيان طهران في ٢٠٢٥ بأن حل المشكلة اليمنية يكون بموجب “مبادئ الأمم المتحدة المتعارف عليها”.

٣- الإمارات:
بارعة، وعندها حس المبادرة، وهي دائما من تبدأ بالفعل،
وتجتهد بالقضاء على أي رد فعل.
ولا تدير ظهرها بسهولة، وإذا خرجت فإنها تعود لليمن دائما بطريقة أو أخرى.
مازالت عيون أبو ظبي “مبهررة” على ميناء عدن،
وعلى الارتكاز على منطقة الضالع ويافع كأدوات،
وعلى تصفية الحساب مع الرياض.

٤- السعودية:
السعودية، عظيمة وبارزة في اليمن.
تعز من تشاء وتذل من تشاء.
وكل اليمنيين يخطبون ود السعودية حتى الحوثي والانفصالي.
والسعودية مبسوطة بهذا الغزل ولا ترد أي طارق لأبوابها.
السعودية تقول: “كلهم أبنائي الصالح والطالح”.
حتى الحوثي إذا جاء وحتى عيدروس إذا عاد.

السعودية لا تحتاج أن تصرخ لأن الجميع يطرق بابها.

لكن السؤال الخالد، يبقى:
هل تريد السعودية الحسم؟ أم تريد إدارة التوازن؟

٥- المجلس الرئاسي اليمني:
بدون تعليق.
السكوت جواب.

عبدالقادر الجنيد
٢٤ فبراير ٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى