اليمن في قلب العاصفة: اقتصاد منقسم وحرب إقليمية تضاعف الانهيار

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
في خضم التصعيد المتسارع للحرب في الشرق الأوسط، لا يقف اليمن على الهامش كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل يجد نفسه في قلب التداعيات الاقتصادية والسياسية لهذه الأزمة، مضاعفًا أزماته الداخلية الممتدة منذ أكثر من عقد. فبين انقسام سياسي حاد، واقتصاد متشظٍ، وتداخل إقليمي متزايد، يصبح السؤال اليوم ليس فقط عن قدرة اليمن على التعافي، بل عن مدى قدرته على الصمود في وجه صدمات متتالية تتجاوز حدوده.
انقسام الدولة… اقتصادان داخل بلد واحد
يؤكد مصطفى نصر، رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، أن اليمن يعيش منذ نحو عشر سنوات حالة انقسام عميقة بين حكومتين: حكومة معترف بها دوليًا في عدن، وسلطة الأمر الواقع في صنعاء. هذا الانقسام لم يبقَ سياسيًا فقط، بل امتد ليخلق واقعًا اقتصاديًا مزدوجًا، حيث يوجد بنكان مركزيان، ونظامان نقديان، بل وعملتان فعليًا داخل بلد واحد.
فبحسب ما يوضحه نصر، منذ عام 2018، ومع قرار الحوثيين منع تداول العملة الجديدة الصادرة من البنك المركزي في عدن، أصبح اليمنيون يتعاملون بنوعين من العملة:
عملة قديمة متداولة في مناطق الحوثيين، وعملة جديدة في مناطق الحكومة. هذا الواقع أدى إلى نشوء سعرين مختلفين للصرف، وإلى تعقيد الحياة اليومية للمواطنين، حيث لا يمكن استخدام العملة نفسها بين المنطقتين، مما يفرض اللجوء إلى الدولار أو الريال السعودي كوسيط في عمليات المقاصة.
وبحسب تقارير البنك الدولي (World Bank)، فإن هذا الانقسام النقدي أدى إلى تآكل الثقة في النظام المالي، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، مما جعل اليمن واحدًا من أكثر الاقتصادات هشاشة في العالم.
مواطن بين نظامين… وحياة يومية أكثر قسوة
هذا الانقسام لا ينعكس فقط على المؤشرات الاقتصادية، بل يطال تفاصيل الحياة اليومية للمواطن اليمني. فالتنقل بين المدن لم يعد مجرد انتقال جغرافي، بل انتقال بين نظامين ماليين مختلفين، حيث يتوجب على المواطن تحويل أمواله أو التعامل بسعر صرف مختلف، ما يضيف أعباءً إضافية على كاهله.
كما أشار تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) إلى أن أكثر من 80% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، في حين يواجه الملايين صعوبات في الحصول على السيولة النقدية، خاصة في ظل الأزمات المتكررة للبنوك، وهو ما يعمق حالة عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
موانئ متنازعة… وسلاسل إمداد مضطربة
ولا يتوقف الانقسام عند حدود النقد، بل يمتد إلى الموانئ وسلاسل التوريد. فاليمن، الذي يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتأمين غذائه، يعاني من تعدد الجهات المسيطرة على الموانئ، بين ميناء الحديدة الخاضع للحوثيين، وموانئ عدن والمخا وحضرموت الواقعة تحت سيطرة الحكومة.
هذا التعدد، كما يوضح مصطفى نصر، أدى إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد، وتعقيد الإجراءات اللوجستية، وإبطاء تدفق السلع، خاصة مع القيود الدولية والتفتيش الأممي على السفن.
وبحسب منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، فإن اضطراب سلاسل الإمداد ساهم في ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل حاد، مما فاقم من أزمة الأمن الغذائي في البلاد.
الحرب الإقليمية… مضاعفة للأزمة اليمنية
لكن ما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا اليوم هو ارتباط اليمن بالحرب الأوسع في الشرق الأوسط، خاصة بعد انخراط الحوثيين في التصعيد الإقليمي، واستهدافهم الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
فبحسب تقارير صندوق النقد الدولي (IMF) ووكالة بلومبرغ (Bloomberg)، فإن التوترات في البحر الأحمر أدت إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتحويل مسارات السفن بعيدًا عن المنطقة، وهو ما انعكس مباشرة على اليمن، سواء من حيث ارتفاع أسعار السلع أو تراجع الإمدادات.
كما أن الضربات التي استهدفت ميناء الحديدة، وهو شريان حيوي لوصول المساعدات والبضائع، زادت من تعقيد الوضع، حيث تراجعت قدرته التشغيلية بشكل ملحوظ، وفق تقارير الأمم المتحدة.
اقتصاد هش أمام صدمة جديدة
ويؤكد مصطفى نصر أن الاقتصاد اليمني، الذي يعاني أصلًا من آثار حرب طويلة، لا يمتلك القدرة على امتصاص صدمات إضافية. فكل تصعيد إقليمي ينعكس فورًا على الداخل اليمني، سواء عبر ارتفاع الأسعار، أو تراجع التحويلات، أو اضطراب الإمدادات.
وبحسب البنك الدولي، فإن أي اضطراب في الممرات البحرية الحيوية مثل باب المندب قد يؤدي إلى زيادة أسعار الغذاء بنسبة كبيرة في اليمن، نظرًا لاعتماده شبه الكامل على الاستيراد.
اليمن… بين الداخل المنقسم والخارج المشتعل
وفي المحصلة، يمكن القول إن اليمن يقف اليوم عند تقاطع أزمتين: أزمة داخلية مزمنة قائمة على الانقسام، وأزمة إقليمية متصاعدة تضاعف الضغوط الاقتصادية.
فإذا كان الانقسام قد أنتج اقتصادًا هشًا ومجزأً، فإن الحرب في الشرق الأوسط جاءت لتكشف مدى هشاشة هذا الواقع، ولتضع اليمن أمام اختبار جديد قد يكون الأصعب منذ سنوات.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل يمكن لاقتصاد منقسم أن يصمد في وجه عاصفة إقليمية بهذا الحجم؟
أم أن اليمن سيكون أحد أكبر الخاسرين في حرب لم تبدأ على أرضه… لكنها تضربه في العمق كل يوم؟



