لماذا يخاف البعض من طلبنا استكمال التحقيق الدولي في جريمة الاعتداء الارهابي على مسجد دار الرئاسة اليمنية ؟

✍️ بقلم: محمد علي علاو
منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، ما تزال جريمة الاعتداء الإرهابي على مسجد دار الرئاسة في صنعاء، في 3 يونيو 2011، واحدة من أخطر الجرائم السياسية في تاريخ اليمن الحديث والمنطقة العربية ، ليس فقط بسبب بشاعتها واستهدافها المباشر لقيادات الدولة العليا داخل دار عبادة أثناء أداء صلاة الجمعة، بل لأنها شكّلت نقطة التحول المفصلية التي أعادت تشكيل مسار الدولة اليمنية، ودَفعت بها نحو الانهيار والفوضى والصراع المستمر حتى اليوم.
ورغم خطورة هذه الجريمة، وإدانتها من قبل مجلس الأمن الدولي، فإنها بقيت بلا تحقيق مستقل، وبلا مساءلة حقيقية، وبلا إنصاف للضحايا. وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا يخاف اليوم البعض من طلبنا استكمال التحقيق الدولي في هذه الجريمة بعد ان ثبت عجز القضاء المحلي وتم تبادل المتهمين فيها بين الشركاء علانية ؟
والإجابة واضحة ، وهي :-
⸻
أولاً: لأن التحقيق الدولي يعني كشف الحقيقة الكاملة
التحقيق الدولي لا يخضع للتوازنات السياسية المحلية والاقليمية ، ولا لضغوط القوى المتصارعة وداعميها ، بل سيقوم على:
* جمع الأدلة بشكل مهني
* حماية الشهود
* تتبع مسارات التمويل والدعم الخارجي
* تحديد المسؤوليات الفردية والمؤسسية والدولاتية والعابرة للحدود.
وهذا يعني ببساطة أن أي جهة متورطة — بشكل مباشر أو غير مباشر — ستجد نفسها أمام حقيقة موثقة لا يمكن إنكارها أو الالتفاف عليها. ولذلك، فإن الخوف من فتح التحقيق الدولي هو في جوهره خوف من انكشاف الحقيقة.
⸻
ثانياً: لأن التحقيق الدولي سيكسر شبكة المصالح المتبادلة
منذ وقوع الجريمة، تشكّلت — بشكل غير معلن — شبكة معقّدة من المصالح بين أطراف مختلفة داخلية وإقليمية، قامت على:
* الصمت المتبادل وخيانة بعض المرتزقة لواجبهم المهني والأخلاقي في القضية
* تعطيل العدالة وتهريب وتبادل المتهمين فيها
* استخدام الجريمة كورقة ضغط ومساومة سياسية
وقد ظهرت مؤشرات على ذلك، من بينها عمليات تبادل متهمين في هذه القضية بين الشركاء المنفذين ، وخيانة امانة البعض فيها ، وهو ما يعكس وجود إرادة مشتركة لإغلاق الملف وضياعه ، لا لفتحه. وبالتالي فالتحقيق الدولي يهدد هذه الشبكة بالكامل، لأنه سيعيد فتح الملف على أساس قانوني، لا سياسي.
⸻
ثالثاً: لأن التحقيق الدولي سيعيد تعريف الرواية الرسمية للأحداث
طوال السنوات الماضية، تعددت الروايات حول ما حدث في 2011:
* هل كانت احتجاجات سلمية؟
* أم تحولت إلى عمل منظم استُخدم فيه العنف والإرهاب ؟
* من المسؤول عن التصعيد؟
التحقيق الدولي لن يكتفي بالسرديات، بل سيعيد بناء الوقائع استناداً إلى الأدلة. وهذا قد يؤدي إلى إعادة كتابة التاريخ السياسي لتلك المرحلة، وهو ما لا ترغب به أطراف بنت شرعيتها أو نفوذها اليوم على روايات معينة.
⸻
رابعاً: لأن التحقيق الدولي قد يكشف أبعاداً إقليمية حساسة
إحدى أكثر النقاط حساسية في هذا الملف هي احتمال وجود:
* دعم خارجي
* تنسيق إقليمي
* استخدام جماعات محلية كأدوات لتحقيق أهداف أوسع
التحقيق الدولي سيمتلك القدرة على تتبع هذه الأبعاد وكشفها ، وهو ما قد يربط الجريمة بسياق إقليمي أوسع. مثل هذا الكشف لا يهدد فقط الفاعلين المحليين، بل قد يحرج أطرافاً إقليمية ودولية، ويضعها تحت طائلة المساءلة السياسية أو القانونية لاحقاً .
⸻
خامساً: لأن العدالة الدولية تُنهي الإفلات من العقاب
غياب المحاسبة طوال 15 عاماً خلق سابقة خطيرة مفادها أن:
“الجرائم الكبرى يمكن أن تمر دون عقاب”
وهذا ما شجّع على:
* تكرار الانتهاكات
* تصاعد العنف
* انهيار الثقة في مؤسسات الدولة
فتح التحقيق الدولي سيضع حداً لهذه القاعدة، ويعيد الاعتبار لمبدأ أن لا أحد فوق القانون.
⸻
سادساً: لأن التحقيق الدولي يمهّد لعدالة انتقالية حقيقية ومصالحة وطنية يمنية .
لا يمكن لأي دولة أن تبني سلاماً مستداماً دون:
* كشف الحقيقة
* إنصاف الضحايا
* محاسبة المسؤولين
وجريمة مسجد دار الرئاسة ليست حدثاً هامشياً، بل هي من الجرائم الارهابية الخطيرة المؤسسة لمسار الصراع. لذلك، فإن تجاهلها ونسيان ضحاياها سيعني بناء سلام هش، قابل للانهيار في أي لحظة.
⸻
سابعاً: لأن بعض الأطراف تخشى فقدان شرعيتها
في حال كشف التحقيق الدولي عن مسؤوليات مباشرة أو غير مباشرة، فإن ذلك قد يؤدي إلى:
* تآكل شرعية بعض القوى المتورطة فيها
* إعادة تقييم دورها في الأحداث
* تحميلها مسؤولية سياسية وأخلاقية وقانونية
وهذا ما يجعل رفض التحقيق الدولي ، في كثير من الأحيان، محاولة لحماية موقع سياسي قائم على وقائع غير مكتملة أو غير معلنة.
⸻
الخلاصة: الخوف من التحقيق الدولي هو خوف من العدالة للضحايا والحقيقة للشعب
إن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نطالب بتحقيق دولي؟
بل: لماذا يُرفض استكمال هذا التحقيق الدولي رغم كل هذه السنوات؟
الجواب واضح:
لأن التحقيق الدولي لا يساوم…
لا يخضع للضغوط…
ولا يدفن الملفات.
إنه يكشف الحقيقة كما هي.
ولهذا، فإن من يخاف من اكمال التحقيق الدولي للتحقيقات المحلية في جريمة مسجد دار الرئاسة، لا يخاف من الإجراء بحد ذاته، بل يخاف مما سيكشفه من بلاوي … ومن المسؤولية التي قد تترتب عليه.
وفي نهاية المطاف، ستبقى الحقيقة ثابتة:
لا يمكن بناء دولة… ولا تحقيق سلام… على جريمة إرهابية أدانها المجتمع الدولي بقرار ولم تُكشف حقيقتها بعد.



