حرب عند فوهة هرمز: هدنة معلّقة،و محاولات مخارج ما قبل الانفجار

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

لم تعد هذه الحرب تُقاس بعدد الضربات ولا بحجم التصريحات، بل باللحظة التي يقرر فيها الخصمان، وهما على حافة الاختناق المتبادل، اختبار الدبلوماسية كخيار أخير قبل الانزلاق إلى ما لا يمكن احتواؤه. إرسال واشنطن لمبعوثين من الدائرة الضيقة للرئيس، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى إسلام آباد، بالتزامن مع قبول طهران الدفع بعباس عراقجي، لا يبدو تفصيلًا بروتوكوليًا، بل إشارة ثقيلة المعنى: الصراع بلغ مستوى من التعقيد يجعل استمرار إدارته عسكريًا فقط مقامرة مفتوحة على الاقتصاد العالمي بأسره.

هذه الخطوة لم تأتِ من فراغ، بل من أسبوع كشف هشاشة التوازنات التي قامت عليها المواجهة منذ بدايتها في أواخر فبراير/شباط 2026. فبينما ظلت الجبهات العسكرية تحت سقف “الاشتباك المحسوب”، انفجرت التصدعات داخل المعسكر الغربي نفسه. واشنطن، التي تقود الحرب، انتقلت من خطاب التذمر إلى بناء منظومة ضغط داخلية على حلف شمال الأطلسي، مستندة إلى تقييم صارم لما تعتبره “تقاعسًا” من بعض الأعضاء. مذكرة البنتاغون، التي قسّمت الحلف إلى داعمين ومترددين، لم تكن مجرد تشخيص، بل تمهيد لإعادة تعريف معنى التحالف ذاته.

إسبانيا، التي رفضت فتح أجوائها وقواعدها ووصفت العمليات بأنها غير قانونية، تحولت إلى نموذج لما تعتبره واشنطن “تمردًا داخل الحلف”. الخيارات التي طُرحت—من تعليق أدوار قيادية إلى بحث غير مسبوق في تجميد العضوية—تعكس انتقال الولايات المتحدة من منطق الشراكة إلى منطق المحاسبة. الأكثر حساسية أن أدوات الضغط لم تعد عسكرية فقط، بل سياسية أيضًا، مع تلميحات بإعادة تقييم الدعم في ملفات سيادية لحلفاء تقليديين، ما يضعف فكرة التضامن التي قام عليها الناتو منذ عقود.

هذه الديناميكية أحدثت ارتدادًا فوريًا في أوروبا، حيث لم يعد النقاش يدور حول نسبة الإنفاق الدفاعي، بل حول سؤال أعمق: هل ما زال الحلف إطارًا جماعيًا، أم أصبح أداة تقودها واشنطن وفق أولوياتها؟ من هنا، عادت إلى الواجهة فكرة الاستقلال الدفاعي الأوروبي، ليس كطرح نظري، بل كخيار يُفرض تدريجيًا تحت ضغط الوقائع.

في الخلفية، يواصل الاقتصاد العالمي دفع الثمن الأكبر. النفط لم يعد مجرد سلعة، بل مؤشر سياسي مباشر، يتحرك مع كل إشارة تصعيد أو تهدئة. استقراره فوق 100 دولار للبرميل ليس رقمًا عابرًا، بل انعكاس لانكماش فعلي في التدفقات وارتفاع كلفة المخاطر. الحصار الأميركي، الذي توسّع ليلاحق السفن في المياه الدولية، حوّل قدرة إيران التصديرية إلى عنق زجاجة حقيقي. وصول مخزونات جاسك إلى مستويات قياسية يختصر المعادلة: الإنتاج مستمر، لكن الطريق إلى السوق شبه مغلق.

هذا الاختناق لا يضر طهران وحدها، بل يعيد توزيع الأعباء عالميًا. الدول المستوردة تواجه تضخمًا مركبًا، والشركات تتحمل تكاليف نقل وتأمين متصاعدة، فيما تستفيد بعض الدول المنتجة مؤقتًا من الأسعار المرتفعة دون أن تتمكن من تعويض الفجوة بالكامل. في الوقت نفسه، تمتد الأزمة إلى الغاز، حيث تشير التوقعات إلى فجوة تراكميّة كبيرة في الإمدادات خلال السنوات المقبلة، ما يعني أن أثر الحرب لن يتلاشى سريعًا حتى لو توقفت العمليات العسكرية.

أما في البحر، فقد تحولت المواجهة إلى لعبة سيطرة على الشرايين لا على الأرض. اعتراض الناقلات، تتبع السفن، وفرض واقع أمني جديد خارج حدود الخليج، كلها تعكس انتقال الصراع إلى مرحلة استنزاف اقتصادي طويل النفس. لم يعد الهدف تدمير الخصم، بل إضعاف قدرته على التنفس اقتصاديًا.

وسط هذا التعقيد، تأتي مفاوضات إسلام آباد كاختبار حقيقي للنوايا. اختيار شخصيات مثل كوشنر وويتكوف، المرتبطين مباشرة بصنع القرار، يوحي بأن واشنطن لا ترسل مجرد رسائل، بل تختبر مسارًا قد يعيد ضبط الصراع. وفي المقابل، فإن قبول إيران بإرسال عراقجي يعكس إدراكًا بأن أوراق الضغط—رغم فعاليتها—لها حدود إذا ما تحولت إلى عبء داخلي مع تكدس النفط وتضييق الخناق على الإيرادات.

بهذا المعنى، لا يمكن قراءة هذه اللحظة كتحول نحو السلام، بل كإعادة تموضع داخل صراع لم يُحسم. الدبلوماسية هنا ليست بديلًا عن القوة، بل امتداد لها بوسائل أخرى. وبين مفاوضات تُفتح تحت ضغط الاقتصاد، وتحالفات تتصدع تحت ضغط السياسة، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا أن هذه الحرب لم تعد مجرد مواجهة بين دولتين، بل نقطة إعادة تشكيل لنظام دولي تتغير قواعده أمام أعين الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى