وقعت هذه المذبحة على خلفية تطورات مشجعة شهدتها المنطقةفي واحدة من أكثر الهجمات دموية ضد المدنيين في جامو وكشمير

✍️ علي مستور

خلال العقود الأخيرة، نفذت “جبهة المقاومة” (TRF) – وهي منظمة إرهابية أجنبية مقرها باكستان ومصنفة كذلك من قبل الولايات المتحدة، وتُعد ذراعاً بالوكالة لمنظمة “لشكر طيبة” (LeT) التي تتخذ من باكستان مقراً لها – عملية قتل بدم بارد لـ 26 سائحاً بريئاً، من بينهم مواطن أجنبي، وذلك في 22 أبريل 2025 في منطقة “باهالجام”. وقد كشفت شهادات شهود العيان والتحقيقات اللاحقة أن المهاجمين قاموا بفرز الضحايا وتصنيفهم بناءً على معتقداتهم الدينية، مستهدفين غير المسلمين في مشهد وحشي للعنف ذي الدوافع الدينية. كما قُتل أيضاً مشغل محلي مسلم لخدمات ركوب المهور أثناء محاولته التدخل لصد الهجوم.

وقعت هذه المذبحة على خلفية تطورات مشجعة شهدتها المنطقة؛ تمثلت في إجراء انتخابات ناجحة، وإحراز تقدم مطرد نحو تحقيق النمو الاقتصادي وعودة الحياة إلى طبيعتها في جامو وكشمير. وقد سعت هذه الهجمات إلى تقويض قطاع السياحة وزعزعة الاستقرار في “وادي بايساران” الخلاب القريب من “باهالجام” – وهي وجهة سياحية شهيرة كانت قد شهدت انتعاشاً ملحوظاً في أعداد الزوار.
وفي الأشهر التي تلت الهجوم، أصبحت بصمات باكستان وتورطها في هجوم “باهالجام” حقيقة لا تقبل الجدل. ففي 28 يوليو 2025، تمكنت قوات الأمن الهندية من تصفية ثلاثة إرهابيين باكستانيين مرتبطين بتلك المذبحة، وذلك في ضواحي مدينة “سريناغار” خلال عملية أُطلق عليها اسم “ماهاديف”. وقد أكدت وثائق الهوية التي عُثر عليها في مسرح العملية أن أحد الجناة هو “حبيب طاهر” (المعروف أيضاً باسم “حمزة أفغاني” أو “حبيب خان”)، وهو ينحدر من قرية “كويان” بالقرب من “خاي غالا” في الشطر الذي تحتله باكستان من كشمير. كما تم تحديد هوية جانيٍ آخر باسم “بلال أفضل” (المعروف بلقب “سليمان شاه” أو “فيصل جت”)، والذي كانت له صلات بمدينة “لاهور”. ولم تترك بطاقات الهوية الوطنية الباكستانية الممغنطة (CNICs)، والأسلحة، وغيرها من المضبوطات التي عُثر عليها في الموقع، أي مجال للإنكار أو دحض الأدلة.
وتندرج هذه الحادثة ضمن نمط متكرر؛ إذ لم تظهر باكستان أي بوادر للتراجع عن رعايتها المستمرة واستخدامها لـ “جهات فاعلة غير تابعة للدولة” (Non-state actors) لشن هجمات ضد الهند. وتشير المعلومات الاستخباراتية إلى أن أساليب تمويل الإرهاب قد تطورت، حيث تحولت نحو استخدام المحافظ الرقمية المشفرة والعملات المشفرة بهدف الالتفاف على آليات التتبع والمراقبة التقليدية. وفي غضون ذلك، لا تزال الجماعات الإرهابية الكبرى التي تتخذ من باكستان مقراً لها تمارس نشاطاً مكثفاً للغاية. وسّعت جماعة “جيش محمد” (JeM) نطاق عمليات التجنيد لديها من خلال تأسيس جناح نسائي مخصص أُطلق عليه اسم “جماعة المؤمنات” (ويُشار إليه أحياناً باسم “جماعة المؤمنات”)، وقد أُعلن عن تأسيس هذا الجناح في أواخر عام 2025 وتتولى قيادته “سعدية أزهر”، شقيقة زعيم الجماعة “مسعود أزهر”. ويركز هذا الجناح على عمليات التلقين العقائدي، وتجنيد النساء (بما في ذلك نساء ينحدرن من خلفيات اقتصادية محرومة أو من عائلات تابعة لقادة الجماعة)، فضلاً عن إعدادهن وتجهيزهن لتولي أدوار عملياتية، بما في ذلك احتمال المشاركة في مهام انتحارية. وتدعم هذه الجهود مجموعة من الدورات التدريبية عبر الإنترنت، مثل دورة “تحفة المؤمنات” أو “دورة التزكية”.
ومن جانبها، عززت جماعة “لشكر طيبة” (LeT) —وهي المنظمة الأم لـ “جبهة المقاومة” (TRF) والجماعة التي تقف وراء هجمات مومباي عام 2008— قدراتها العسكرية من خلال استحداث “جناح مائي” أو “قوة مائية” متخصصة. وتعمل هذه الوحدة البحرية على تلقين عناصرها مهارات تكتيكية تشمل السباحة، والغوص، وقيادة القوارب السريعة، وتنفيذ المناورات تحت الماء، وتقنيات التسلل؛ حيث تشير التقارير إلى تدريب المئات من العناصر العملياتية ضمن وحدات تدريبية تستحضر في طابعها وتفاصيلها هجمات 26 نوفمبر/تشرين الثاني التي نُفذت عبر البحر. وفي سياق متصل، لا تزال حملات التجنيد، وحشود التعبئة، ومعسكرات التدريب، وخطابات الكراهية التحريضية التي تستهدف الهند، مستمرة علانية في جميع أنحاء باكستان ومنطقة كشمير الخاضعة للسيطرة الباكستانية.
وتزداد أهمية الدور المحوري الذي تلعبه باكستان في المشهد العالمي للإرهاب بروزاً وتأكيداً من خلال التقييمات الدولية الموثوقة. فوفقاً لـ “المؤشر العالمي للإرهاب” لعام 2026، تصدرت باكستان قائمة الدول الأكثر تضرراً من الإرهاب للمرة الأولى؛ حيث سجلت البلاد 1139 حالة وفاة مرتبطة بالإرهاب وأكثر من 1000 حادث إرهابي خلال عام 2025 — وهو أعلى مستوى تسجله البلاد منذ عام 2013. كما أشار تقرير صادر عن “دائرة أبحاث الكونغرس الأمريكي” بتاريخ 25 مارس/آذار 2026، بشكل صريح، إلى أن باكستان تُعد بمثابة قاعدة عمليات للعديد من الجماعات الإرهابية التي تنشط منذ فترات طويلة.
إن هذا التهديد يمتد ليطال مناطق أبعد بكثير من حدود جنوب آسيا. في مارس 2026، أُدين آصف ميرشانت (47 عاماً) -وهو شخص من أصل باكستاني- في الولايات المتحدة بالتآمر لاغتيال سياسيين ومسؤولين أمريكيين، بمن فيهم شخصيات بارزة، وذلك ضمن مخطط “القتل المأجور” الذي اتخذ أبعاداً دولية. وفي سياق منفصل، أقر محمد شاهزيب خان (21 عاماً) -وهو مواطن باكستاني آخر- بذنبه في التخطيط لتنفيذ عملية إطلاق نار جماعي، مستلهماً فكر تنظيم “داعش”، استهدفت مركزاً يهودياً في نيويورك. وفي أغسطس 2025، أُلقي القبض في كوريا الجنوبية على مواطن باكستاني متهم بالانتماء إلى جماعة “عسكر طيبة”، وذلك بعد دخوله البلاد بطريقة غير شرعية.
وتكشف هذه القضايا عن حقيقة مقلقة؛ إذ لا تزال باكستان تعمل بمثابة البؤرة العالمية ومصنعاً لإنتاج الإرهاب، حيث لا تكتفي بتصدير العناصر الإرهابية فحسب، بل تُصدّر أيضاً أيديولوجية تهدد الأمن الدولي. فبدءاً من عمليات القتل المستهدف في “باهالجام” ووصولاً إلى المؤامرات التي تُحاك في المدن الأمريكية وخارجها، تشير الأدلة إلى وجود “منظومة دولة” تقوم برعاية الشبكات الإرهابية وتدريبها ونشرها، في الوقت الذي تنفي فيه أي تورط لها في تلك الأنشطة.
ويواجه المجتمع الدولي تحدياً مستمراً؛ ففي حين أظهرت الهند صموداً لافتاً من خلال عملياتها الأمنية، ومساعيها الدبلوماسية، وجهودها الرامية لتعزيز التنمية في إقليم “جامو وكشمير”، فإن الأنشطة المتواصلة لجماعات مثل “جبهة المقاومة” (TRF)، و”عسكر طيبة” (LeT)، و”جيش محمد” (JeM) -والتي تحظى بدعم عبر أساليب تمويل متطورة وعمليات تجنيد موسعة- تتطلب تحركاً عالمياً أكثر حزماً. ويُعد ممارسة الضغط الدبلوماسي، وفرض العقوبات المستهدفة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل منسق، أمراً جوهرياً لتفكيك البنية التحتية للإرهاب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى