عندما ينتزع ثوب الرجولة: معاناة زوجات أبناء المغتربين بين ضغط الزوج وإسقاطات الأمهات

بقلم ✍️ : زعفران علي المهنا
في كثير من المجتمعات، ينظر إلى أبناء المغتربين على أنهم نموذج للنجاح والاستقرار المادي، مما يجعلهم خيارا مرغوبا للزواج. غير أن الصورة اللامعة التي ترسم لهم تخفي أحيانا واقعا مؤلما تعيشه بعض الزوجات، خاصة عندما يتحول هذا الزواج إلى مساحة للضغط النفسي، وساحة لإعادة إنتاج المعاناة التي عاشتها الأمهات.
زواج على أساس الوهم الاجتماعي
تنجذب بعض الأسر إلى تزويج بناتها من أبناء المغتربين طمعا في حياة أفضل، أو هروبا من ظروف اقتصادية صعبة. لكن ما لا يرى في البداية هو أن بعض هؤلاء الأبناء يعودون محملين بضغوط نفسية وثقافية، وصراعات هوية بين ما عاشوه في الخارج وما يتوقعه منهم المجتمع في الداخل.
هذه الازدواجية قد تنعكس سلبا على الزوجة، التي تجد نفسها أمام زوج متسلط، يفرض سيطرته بطرق غير صحية.
ممارسات خاطئة تحت غطاء “الرجولة”
في بعض الحالات، يساء فهم مفهوم الرجولة، فيتحول إلى تسلط وتحكم بدل أن يكون مسؤولية واحتواء. لا يكتفي بعض الأزواج بفرض قراراتهم، بل يتجاوزون ذلك إلى لعب دور “القاضي” في حياة الزوجة، فيقيمونها أخلاقيا بشكل مستمر، وكأنها متهمة تحتاج لإثبات براءتها كل يوم.
فتجد بعضهم منشغلا بمراقبتها ليل نهار، يتفحص هاتفها، يتابع تحركاتها، ويشكك في نواياها وسلوكها، وكأنه يبحث عن خطأ يبرر به شكوكه. يصل الأمر إلى حد وضعها تحت اختبار دائم: هل هي شريفة أم لا؟ أمينة أم لا؟ وكأن الزواج تحول من علاقة ثقة إلى علاقة تحقيق ومراقبة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يفترض أن يطرح بوضوح: إذا كنت لا تثق بالمرأة إلى هذا الحد، فلماذا أخذتها من بيت أهلها؟ ولماذا بنيت علاقة أساسها الشك؟
هذه الممارسات لا تعكس قوة شخصية، بل تكشف عن خلل داخلي عميق، قد يكون ناتجًا عن تجارب سابقة، أو تربية قائمة على الشك والخوف، أو حتى صورة مشوهة عن المرأة. لكن مهما كانت الأسباب، لا يمكن تبرير تحويل الزوجة إلى ضحية لهذا الصراع الداخلي.
دور الأم: من ضحية إلى مُعيد إنتاج للألم
من أكثر الجوانب تعقيدًا في هذه الظاهرة هو دور بعض الأمهات. فبدل أن يكن مصدر دعم وإنصاف، نجد أن بعضهن يقمن بإسقاط معاناتهن السابقة على زوجات أبنائهن. الأم التي عانت من القهر أو التهميش في زواجها، قد ترى – بوعي أو دون وعي – أن ما تعيشه زوجة ابنها أمر طبيعي، بل وربما ضروري “لتتربى” أو “تفهم الحياة”.
وقد تدعم هذه السلوكيات بشكل غير مباشر، فتبرر لابنها الشك والمراقبة، وتُحمّل الزوجة مسؤولية أي توتر، مما يزيد من عزلتها ويضاعف معاناتها. وهكذا تدخل الزوجة في دائرة مغلقة، لا تجد فيها من ينصفها أو يسمع صوتها.
النتائج النفسية والاجتماعية
هذا النوع من العلاقات يترك آثارًا عميقة على المرأة، مثل فقدان الثقة بالنفس، القلق، الاكتئاب، والشعور بالإهانة والعزلة. كما يُدمر أساس العلاقة الزوجية، التي يُفترض أن تقوم على الأمان والطمأنينة. وفي كثير من الحالات، يمتد الأثر إلى الأطفال، الذين ينشؤون في بيئة مشحونة بالشك والصراعات.
نحو وعي جديد ومسؤولية مشتركة
المشكلة لا تكمن في كون الرجل مغتربا، بل في غياب الوعي الحقيقي بمفهوم الشراكة في الزواج. الرجولة لا تُقاس بالسيطرة أو الشك، بل بالثقة، والعدل، والقدرة على الاحتواء.
كما أن الأم، مهما كانت معاناتها، تتحمل مسؤولية كسر دائرة الألم، لا إعادة إنتاجها. فدعمها للعدل داخل بيت ابنها هو ما يثبت قوة شخصيتها، لا وقوفها مع الخطأ.
نحن بحاجة إلى تغيير ثقافي يبدأ من التربية، حيث يربى الأبناء على احترام المرأة، لا مراقبتها، وتربى البنات على معرفة حقوقهن، لا على الصبر على الظلم.
خاتمة
زواج أبناء المغتربين ليس مشكلة بحد ذاته، لكنه قد يتحول إلى معاناة حين يُبنى على الشك والسيطرة. وبين زوج يراقب ويحاكم، وأم تعيد إنتاج ألمها، تضيع الزوجة في صمت قاس.
والسؤال الذي يجب أن يبقى حاضرا: هل الزواج شراكة قائمة على الثقة، أم سجن تدار مفاتيحه باسم الرجولة ؟



