مجلس السلام العالمي: إعادة هندسة للنظام الدولي أم خصخصة لإدارة النزاعات؟

نيويورك – رشادالخضر – ألأمم المتحدة
تتسارع التحولات الجيوسياسية على نحو يضع النظام الدولي القائم أمام اختبار وجودي، ويتراجع في المقابل دور المؤسسات متعددة الأطراف التي شكّلت، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، العمود الفقري لإدارة النزاعات الدولية. وفي هذا المناخ المشحون، عاد الخطاب الأمريكي المنتقد للأمم المتحدة إلى الواجهة، متكئًا على إرث سياسي ارتبط منذ الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتشكيك في جدوى المنظومة الأممية وقدرتها على مواكبة عالم تتزايد فيه الأزمات ويتعمّق فيه الاستقطاب. ومن هذا السياق، برز في النقاشات السياسية والإعلامية الغربية تصورٌ تحليلي لما جرى توصيفه بـ “مجلس السلام العالمي”، ليس بوصفه كيانًا مؤسسيًا قائمًا، بل كفكرة تعكس اتجاهًا متناميًا لإعادة صياغة قواعد إدارة النزاعات خارج الأطر التقليدية.
يفرض الواقع الدولي نفسه كخلفية مباشرة لهذا الطرح، إذ يعاني مجلس الأمن الدولي حالة شلل مزمنة، بفعل الاستخدام المتكرر لحق النقض في النزاعات الكبرى. وقد حوّل هذا الحق، الذي صُمّم أصلاً كآلية توازن، إلى أداة تعطيل فعلي، خصوصًا حين تتقاطع الأزمات مع مصالح القوى الكبرى. وكشفت دراسات صادرة عن مراكز بحث أمريكية وأوروبية كيف أسهم هذا الجمود في تقويض ثقة الدول بقدرة المجلس على اتخاذ قرارات حاسمة، ما فتح الباب أمام البحث عن صيغ بديلة قادرة على التحرك السريع، بعيدًا عن القيود الإجرائية والسياسية التي تحكم المنظومة الأممية.
و يقدّم الخطاب المحيط بفكرة “مجلس السلام” نفسه، في الظاهر، كإطار مكمّل لا بديل عن الأمم المتحدة. غير أن القراءة الوظيفية المتأنية لما يُتداول عن صلاحياته المحتملة، من الإشراف على وقف إطلاق النار، إلى إدارة المراحل الانتقالية، وصولًا إلى تنسيق عمليات إعادة الإعمار، تكشف تقاطعًا مباشرًا مع جوهر دور مجلس الأمن، يؤدي عمليًا، إلى إعادة توزيع للأدوار داخل النظام الدولي، دون المرور عبر مسار إصلاحي قانوني شامل، وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل الشرعية الدولية.
كما ان البُعد المالي في هذا التصور، يثير أحد أكثر جوانب الجدل حساسية. فقد جرى التداول، في أوساط تحليلية، بأفكار تربط النفوذ داخل أي إطار جديد بالقدرة على التمويل والمساهمة المالية. ويقدّم المدافعون عن هذا المنطق الطرح بوصفه آلية لضمان الاستدامة والالتزام الجدي بعمليات السلام، غير أن هذا التبرير لا يُخفي حقيقة التحول البنيوي في مفهوم الشرعية، حيث يصبح التأثير السياسي مرهونًا بالقوة الاقتصادية، لا بمبدأ المساواة السيادية الذي قامت عليه الأمم المتحدة.
و من ناحية أخرى، يعكس هذا المسار توجهًا أوسع لدى القوى القادرة لإعادة تعريف إدارة النزاعات وفق منطق الفعالية والسرعة، لا وفق منطق التوافق الواسع. وتظهر تقارير صادرة عن حلف شمال الأطلسي ومؤسسات بحث استراتيجية ميلًا متزايدًا نحو أطر أصغر وأكثر تحكمًا في القرار، خاصة في الأزمات التي تمس المصالح الحيوية. ويرتبط هذا التوجه بإدراك سياسي بأن أي إصلاح حقيقي لمجلس الأمن قد يحد من نفوذ القوى القائدة، ما يجعل تجاوز الإصلاح خيارًا أكثر جاذبية من حيث الكلفة السياسية.
في المقابل، تبرز مخاطر حقيقية تطال الدول الهشّة وغير القادرة ماليًا، إذ يحذّر خبراء التنمية من أن نقل إدارة النزاعات إلى أطر تمويلية فوقية قد يؤدي إلى تهميش المجتمعات المتأثرة، وتحويل قضايا السلام إلى ملفات تُدار من الخارج وفق أولويات الممولين. وفي هذا النموذج، يتراجع مفهوم السلام كعملية سياسية شاملة لصالح مقاربة استثمارية تُعيد إنتاج علاقات الهيمنة، ولكن بأدوات أكثر نعومة.
يعكس الجدل حول “مجلس السلام العالمي” في جوهره أزمة أعمق في بنية النظام الدولي. إذ يقف العالم أمام مفترق حاسم: إما الانخراط في مسار إصلاحي صعب يعيد الاعتبار للشرعية الدولية ويحدّث أدواتها، أو القبول بتآكل تدريجي لهذه الشرعية لصالح نماذج أكثر مرونة، لكنها أقل شمولًا وأضعف من حيث الأساس القانوني. وفي هذا السياق، لا يعود السؤال مطروحًا حول فشل الأمم المتحدة بقدر ما يُطرح حول كلفة الانتقال إلى نظام عالمي تُدار فيه النزاعات بمنطق النفوذ والتمويل، لا بمنطق القانون والتوافق الدولي.



