كسر الحواجز في طقس قارس: ممداني يصبح أول عمدة مسلم لمدينة نيويورك

 

✍️ بقلم: أحمد فتحي

“Clear Voices. Global Impact

نيويورك — في بردٍ لاذع انخفضت فيه درجات الحرارة إلى أوائل العشرينات فهرنهايت، أُدّي اليمين الدستورية لزهران ممداني يوم الخميس عمدةً لمدينة نيويورك رقم 112، مُتوِّجًا صعودًا كان يُعدّ حتى وقت قريب غير محتمل، أعاد تشكيل المشهد السياسي للمدينة ودفع بسياسي يعرّف نفسه كاشتراكي ديمقراطي إلى قيادة أكبر مدن الولايات المتحدة.

وبمعاطف شتوية وأوشحة ثقيلة، احتشد عشرات الآلاف من المؤيدين في الشوارع المحيطة بمبنى البلدية في يوم رأس السنة، متحدّين درجات الحرارة المتجمّدة لحضور حفل تنصيب جمع بين الطقوس الرسمية وروح الاحتجاج والاحتفال. وترددت الموسيقى بين الواجهات الحجرية، فيما داس المحتفلون بأقدامهم طلبًا للدفء، رافعين اللافتات ومردّدين الهتافات، بينما اعتلى ممداني المنصة متعهدًا بنهج حوكمةٍ نشِط.

وقال ممداني للجمهور، وأنفاسه تتكاثف في الهواء البارد: «اعتبارًا من اليوم سنحكم بروحٍ واسعة وجريئة. قد لا ننجح دائمًا، لكننا لن نُتَّهم أبدًا بأننا افتقرنا إلى الشجاعة للمحاولة».

ويُعدّ ممداني، البالغ من العمر 34 عامًا، أول مسلم وأول شخص من أصول جنوب آسيوية يتولى رئاسة بلدية نيويورك. وقد أُقيمت مراسم أداء اليمين الرمزية على درج مبنى البلدية على يد السيناتور بيرني ساندرز، بعد تقديم من النائبة ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز. وكان ممداني قد أدّى اليمين الرسمية بعد منتصف الليل بقليل في مراسم خاصة وصغيرة.

وعلى الرغم من البرد، بدا حفل التنصيب العام أشبه بتجمّع سياسي حاشد. رقص المؤيدون على قائمة موسيقية انتقلت من جاي-زي إلى أغانٍ بوليوودية، بينما كانت أعلام المدينة البرتقالية والزرقاء ترفرف بقوة في الرياح. وارتدى بعض الحضور قبعات صوفية تحمل عبارة «افرِضوا الضرائب على الأثرياء»، في إشارة إلى خطة ممداني لزيادة الإيرادات عبر رفع الضرائب على أصحاب الثروات في نيويورك.

خاض ممداني حملته — وفاز — ببرنامج واسع لمعالجة كلفة المعيشة، يشمل تجميد الإيجارات لملايين المستأجرين، وتوسيع خدمات الحافلات المجانية، وإنشاء رعاية أطفال شاملة، وزيادة كبيرة في المعروض من المساكن الخاضعة لضوابط الإيجار. وقد حشدت هذه المقترحات الناخبين التقدميين، لكنها أثارت قلق جهات رقابية مالية ومصالح عقارية، حذّرت من احتمال اصطدامها بعجوزات الميزانية المتوقعة للمدينة

وفي خطابه، أقرّ ممداني بأن المرحلة المقبلة ستكون تحت المجهر. وقال: «يريدون أن يعرفوا إن كان اليسار قادرًا على الحكم. ويريدون أن يعرفوا إن كان من الصواب أن نأمل من جديد». واعتبر انتخابه اختبارًا ليس لنيويورك وحدها، بل للسياسات التقدمية على مستوى البلاد.

وحثّ ساندرز، الحليف الأيديولوجي، المؤيدين على البقاء منخرطين بعد انقضاء الهتافات. وقال: «في أغنى بلد في تاريخ العالم، ليس أمرًا راديكاليًا أن نضمن للناس سكنًا ميسور الكلفة»، وسط هتافات «افرِضوا الضرائب على الأثرياء» فيما ظلّت درجات الحرارة في أوائل العشرينات.

وكان للدين حضورٌ واضح في المراسم. فقد أدّى ممداني اليمين على مصاحف تعود لأفراد من عائلته، فيما ألقى الإمام خالد لطيف دعاءً إلى جانب ممثلين عن ديانات أخرى. ودعا لطيف أن يتذكّر العمدة الجديد أن المنصب «وُجد لخدمة الناس، لا للارتقاء فوقهم».
ومن جهتها، وصفت أوكاسيو-كورتيز، التي دخلت المنصة على أنغام أغنية لباد بَني، ممداني بأنه «عمدة لنا جميعًا»، وأشادت بتركيزه على أبناء الطبقة العاملة. وقالت: «لقد اخترنا الكرامة بدل التشتيت»، داعية المؤيدين إلى اعتبار اللحظة بداية لمسار سياسي لا نهايته.

وتباينت أجواء الاحتفال مع التحديات التي تنتظر الإدارة الجديدة. إذ يرث ممداني مدينة تواجه فجوات بمليارات الدولارات في ميزانياتها خلال السنوات المالية المقبلة، إلى جانب ضغوط مستمرة ناجمة عن نقص المساكن وتقادم البنية التحتية وتوتر خدمات الرعاية الاجتماعية. ويخلف ممداني العمدة السابق إريك آدامز، الذي طغت على ولايته الوحيدة تحقيقات فساد واضطرابات داخلية.

وحضر آدامز المراسم، واقفًا إلى جانب المنصة بمعطف داكن بينما دوّى تصفيق الحشود لخلفه. وعندما سُئل لاحقًا عن خططه بعد مغادرة البلدية، مازح قائلًا إنه يتطلع إلى «كأس من الويسكي المعتّق وسيجار».

ومع اقتراب الغسق وتلاشي شمس الشتاء، بقي المؤيدون قرب مبنى البلدية رغم البرد، يلتقطون الصور ويدفئون أيديهم بأكواب القهوة. وبالنسبة لكثيرين، أصبح الطقس جزءًا من الحكاية — دليلًا، كما قالوا، على الالتزام بحركة حملت ممداني من مرشحٍ بعيد الحظوظ إلى عمدة المدينة.

وقال أحد الحضور وهو يشد وشاحه اتقاءً للرياح: «الجو قارس، لكن اللحظة تاريخية». وردّد ممداني هذا الشعور في كلمته الختامية قائلًا: «العمل، يا أصدقائي، لم يبدأ إلا الآن».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى