من يرى نفسه جزءًا من الحياة لا يقف في مواجهتها، بل يقف داخلها. يحترمها لأنه يدرك أنها ليست قوةً خارجية تهدده، بل نَفَسًا يسري فيه. يسعى إلى فهمها لا بدافع السيطرة، بل بدافع الألفة، ويبحث عن العلاقة التي تعمّق الصلة بها بدل أن تقطعها.

✍️ بقلم ميلان شريف
هذا المنظور، منذ لحظته الأولى، مؤسَّس على الودّ والمحبة، لا على الحذر والارتياب.
أمّا حين تُبنى العلاقة مع الحياة على الخوف، فإن كل شيء يتبدّل. يصبح التعامل معها قائمًا على المقاومة، ويتحوّل الوجود إلى معركة دائمة لتفادي الضربات المتوقعة. يعيش الإنسان مترقّبًا، متحفّزًا، كأن الحياة خصم يتربّص به. وفي هذا التوتر المستمر، تُستنزف الطاقة، ويضيق الأفق، ويُختزل معنى العيش في النجاة فقط.
من يحبّ الحياة لا يخاصم تدفّقها، بل يتناغم معه.
لا يعني ذلك الاستسلام السلبي، بل المشاركة الواعية.
فالنهر لا يُقاوَم بالسدود النفسية، بل يُفهم مساره، وتُستثمر قوته. ومن يبني واقعه على هذا الفهم، لا يؤسّسه على التصدي لقوة الحياة، بل على الإفادة من عظمتها.
الفرق بين المنظورين شاسع: أحدهما يرى في الحياة عبئًا يجب تحمّله، والآخر يراها حكمةً يجب الإصغاء إليها. وحين يتغيّر المنظور، لا يتغيّر الفرد وحده، بل تتبدّل الأسس التي يقوم عليها المجتمع بأكمله.
تتغيّر التربية، لأن الطفل لم يعد يُعلَّم الخوف من الخطأ بل فهم التجربة. ويتغيّر الاقتصاد، لأن العلاقة مع الموارد لم تعد قائمة على النهب بل على الرعاية.
ويتغيّر العلم، لأن البحث لا يعود محاولة إخضاع للطبيعة، بل حوارًا معها.
حتى الكوارث، حين تُرى من هذا الأفق، تكشف وجهًا آخر. فالطبيعة، في عمقها، لا تعرف الانتقام، بل التصحيح. الفيضان، رغم قسوته، يحمل رحمة للأرض؛ يجدد التربة، ويعيد توزيع الخصوبة، ويذكّر الإنسان بأن النهر له مجال يجب احترامه.
والزلزال، رغم ألمه، يدمّر ما بلغ نهاية صلاحيته، ويدفع إلى يقظة جديدة: يقظة في البناء، وفي التخطيط، وفي فهم الأرض لا كأرض صلبة مضمونة، بل ككائن حيّ متحرّك.
المأساة الحقيقية ليست في الحدث، بل في التوقّف عنده. حين نعلّق وعينا بالكارثة وحدها، نصبح أسرى انتظار الكارثة التالية. أمّا حين نبحث عن الهدية الكامنة خلف الحدث، فإن الفهم يتعمّق، والحكمة تنكشف، ويتحوّل الألم إلى معرفة.
الحياة لا تطلب منّا أن نُحبّ المعاناة، بل أن نكفّ عن معاداتها. أن ننتقل من سؤال: «كيف أتحصّن من الحياة؟» إلى سؤال أعمق: «كيف أتعلم أن أعيش معها؟»
هناك، فقط، يبدأ التحوّل الحقيقي.



