من الورد إلى الفجوة…يوم المرأة العالمي مرآةً للإنجازات المعلّقة والحقوق الضائعة

FYE-HN- Alkhader

نيويورك – رشادالخضر – ألأمم المتحدة

في كل عام، يصل الثامن من آذار محمّلًا بصورتين متناقضتين: صورة احتفالية ترفع شعارات التقدير والتمكين، وصورة أكثر قسوة تكشف أن كثيرًا من حقوق النساء ما زال عالقًا بين النصوص القانونية والواقع اليومي. هذا العام، اختارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة ليومها العالمي شعار “الحقوق، والعدالة، والعمل… لجميع النساء والفتيات”، وهو اختيار لا يبدو احتفاليًا بقدر ما يبدو اعترافًا مباشرًا بأن المشكلة لم تعد فقط في غياب الحقوق، بل في غياب العدالة التي تنفّذها، والعمل الذي يحميها، والأنظمة التي تضمن أن تبقى هذه الحقوق أكثر من مجرد وعود جميلة في البيانات الدولية.

اللافت أن العالم لا يبدأ من الصفر. فهناك إنجازات حقيقية لا يمكن إنكارها. بعد ٣٠ عامًا على إعلان ومنهاج بكين، تشير مراجعة الأمم المتحدة إلى أن دولًا كثيرة خطت خطوات مهمة، من قوانين مكافحة التمييز في العمل إلى خطط مناخية أكثر استجابة للنوع الاجتماعي، ومن توسع تعليم الفتيات إلى تحسن بعض مؤشرات المشاركة العامة. وحتى في السياسة، ارتفعت نسبة النساء في البرلمانات الوطنية من ١١،٠٣٪؜سنة ١٩٩٥ إلى ٢٧،٠٢٪؜ في ٢٠٢٥، ثم إلى ٢٧،٠٥٪؜ مع بداية ٢٠٢٦. التقدم موجود إذن، لكنه بطيء إلى حد يثير القلق أكثر مما يبعث على الاطمئنان.

لكن ما إن نقترب من الصورة أكثر حتى تتبدل اللغة من مكاسب إلى مكاسب مشروطة. تقرير الأمم المتحدة عن مراجعة حقوق المرأة بعد ٣٠ عامًا على بكين يؤكد أن قرابة ربع الحكومات في العالم أبلغت عن تراجع أو ارتداد ضد حقوق النساء في ٢٠٢٤. لم يعد الأمر مجرد بطء في الإصلاح، بل أصبح في بعض الأماكن تراجعًا فعليًا عن مكتسبات سابقة. وفي الوقت نفسه، تحذر تقارير الأمم المتحدة من أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن العالم سيصل إلى عام ٢٠٣٠ وما يقرب من ٣٥١ مليون امرأة وفتاة ما زلن يعشن في فقر مدقع. هنا يصبح يوم المرأة العالمي أقل شبهًا بمناسبة احتفال، وأكثر شبهًا بجردة حساب ثقيلة.

وإذا كان البعض يعتقد أن القانون الدولي أنصف المرأة نظريًا، فإن الأرقام تكشف أن هذا الإنصاف ما زال ناقصًا، بل ومخادعًا أحيانًا. صحيح أن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة صادقت عليها مئة وتسع وثمانون دولة، ما يجعلها واحدة من أكثر الاتفاقيات الدولية انتشارًا، لكن الانتشار لا يساوي التنفيذ. فالبنك الدولي قالها بوضوح في تقريره الأخير: القوانين المصممة لضمان الفرص الاقتصادية المتساوية للنساء لا يُنفَّذ منها في المتوسط سوى نصفها تقريبًا عالميًا، ٤٪؜ فقط من نساء العالم يعشن في اقتصادات توفر لهن ما يقترب من المساواة القانونية الكاملة، وحتى لو طُبقت القوانين بالكامل، فإن النساء لن يحصلن إلا على قرابة ثلثي الحقوق القانونية التي يتمتع بها الرجال. هنا تظهر مفارقة القانون الدولي بأوضح صورها: الاتفاقيات موجودة، والتوقيعات موجودة، لكن العدالة نفسها ما زالت مجزأة، بطيئة، وانتقائية.

اقتصاديًا، تبدو الفجوة أكثر عنادًا. الأمم المتحدة تشير إلى أن مشاركة النساء في سوق العمل بين الفئة العمرية من ٢٥ إلى ٥٤ سنة تقف عند ٦٣٪؜، مقابل ٩٢٪؜ للرجال، بينما ما زالت النساء يقمن بما يزيد على مرتين ونصف من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر مقارنة بالرجال. وفي الأجور، تؤكد منظمة العمل الدولية أن فجوة الأجور العالمية بين الجنسين ما تزال عند حدود ٢٠٪؜ تقريبًا. أي أن المرأة تدخل سوق العمل من موقع أقل، وتخرج منه بأجر أقل، وتعود إلى المنزل لتتحمل عبئًا أكبر من العمل غير المدفوع. لهذا لا تبدو المساواة الاقتصادية قضية راتب فقط، بل قضية وقت، وطاقة، وحياة كاملة موزعة على نحو غير عادل.

وعلى المقلب السياسي، تبدو القصة أكثر تعقيدًا. صحيح أن تمثيل النساء في البرلمانات تحسن مقارنة بما كان عليه قبل ثلاثة عقود، لكن الصعود نفسه تباطأ إلى درجة وصفتها تقارير الاتحاد البرلماني الدولي بالركود. العالم أضاف ثلاثة أعشار نقطة مئوية فقط بين أول يناير من ٢٠٢٥ وأول يناير من ٢٠٢٦. هذه ليست قفزة، بل زحف بطيء. كأن النظام الدولي يقول للنساء: يمكنكن الوصول، لكن ببطء شديد، وبسقف منخفض، وضمن توازنات تسمح بالمشاركة الرمزية أكثر مما تسمح بإعادة توزيع حقيقي للسلطة.

أما في مناطق النزاع، فتبدو المسألة أكثر مأساوية من أي خطاب رسمي. الأمم المتحدة حذرت في تقريرها حول المرأة والسلام والأمن من أن ٦٧٦ مليون امرأة وفتاة يعشن اليوم على مقربة من نزاعات قاتلة، وهو أعلى مستوى منذ تسعينيات القرن الماضي. وفي الوقت نفسه، ارتفعت أشكال العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، وتضاعفت الخسائر التي تدفعها النساء في الحروب، بينما تبقى مشاركتهن في صناعة السلام أقل بكثير من حجم الثمن الذي يدفعنه. هنا يظهر الخلل الأعمق في القانون الدولي: هو أقدر على توثيق الانتهاك من منعه، وأسرع في إصدار القرار من فرض تنفيذه.

لهذا كلّه، لا يمكن قراءة يوم المرأة العالمي باعتباره يومًا للتهنئة فقط. هو يوم يكشف التناقض الحاد بين عالمٍ أتقن كتابة مواثيق الحقوق، وعالمٍ ما زال يتعثر في تنفيذها. بين خطاب دولي واسع عن المساواة، وواقع قانوني واقتصادي وأمني يؤكد أن النساء ما زلن يدفعن الكلفة الأعلى في الفقر، والحرب، والعمل غير المرئي، والتمثيل الناقص. في الثامن من آذار، لا تبدو القضية في أن المرأة “حصلت” على حقوق كثيرة، بل في أن جزءًا كبيرًا من هذه الحقوق بقي معلقًا بين النص والتطبيق، بين التوقيع والعدالة، وبين الاعتراف الدولي والإنصاف الحقيقي.

ربما لهذا جاء شعار هذا العام دقيقًا إلى هذا الحد: الحقوق، والعدالة، والعمل. لأن الحقوق وحدها لا تكفي. العدالة هي ما ينقصها. والعمل هو ما يؤخرها. وما لم يتحول القانون الدولي من سجل وعود إلى آلية إنصاف حقيقية، سيبقى يوم المرأة العالمي مناسبة تذكّر العالم بما أنجزته النساء رغم العقبات، وبما خسرنه أيضًا لأن العالم لم ينصفهن بالقدر نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى