أسلحة إيران الخفية: كيف تُقلق طهران أمن الغرب وجيرانها وتُزعج الولايات المتحدة

 

نيويورك – زينة بلقاسم –

لم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن ارتدادات الحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط، فقد شهدت الساحة الأمريكية خلال الساعات الماضية حادثتين أمنيتين أثارتا قلقاً واسعاً وأعادتَا إلى الواجهة المخاوف من انتقال تداعيات الصراعات الإقليمية إلى الداخل الأمريكي. ففي ولاية ميشيغان اقتحم رجل بشاحنة مبنى معبداً يهودياً يضم أيضاً روضة أطفال في مدينة ويست بلومفيلد قرب ديترويت، قبل أن يتبادل إطلاق النار مع عناصر الأمن داخل المبنى. ووفق السلطات الأمريكية، كان المشتبه به رجلاً في الحادية والأربعين من عمره يُدعى أمين محمد غزالي، من أصول لبنانية حصل على الجنسية الأمريكية عام ألفين وستة عشر. وتشير التحقيقات الأولية إلى أن مادة كيميائية داخل الشاحنة اشتعلت بعد اقتحام المبنى، ما أدى إلى تصاعد الدخان وإصابة عدد من عناصر الشرطة بحالات استنشاق دخان، فيما جرى إجلاء أكثر من مئة وأربعين طفلاً كانوا داخل الروضة من دون إصابات.

وفي الوقت نفسه تقريباً، شهدت ولاية فرجينيا حادث إطلاق نار داخل جامعة “أولد دومينيون”، عندما دخل مسلح إلى إحدى القاعات الدراسية وسأل إن كانت الحصة تابعة لبرنامج تدريب الضباط الاحتياطيين في الجيش الأمريكي قبل أن يطلق النار على المدرس ويصيبه إصابة قاتلة ويصيب طالبين آخرين. وقد حددت السلطات هوية المهاجم بأنه محمد جالو، وهو عنصر سابق في الحرس الوطني الأمريكي كان قد أُدين عام ألفين وستة عشر بمحاولة تقديم دعم مادي لتنظيم “داعش”، قبل أن يُفرج عنه بعد قضاء ثماني سنوات من حكم بالسجن أحد عشر عاماً.

هذه الحوادث التي وقعت في توقيت متزامن تقريباً مع اشتداد التوتر في الشرق الأوسط دفعت الأجهزة الأمنية الأمريكية إلى رفع مستوى الحذر وتعزيز الإجراءات حول المؤسسات الدينية ومراكز التجمعات العامة. كما أثارت تساؤلات أوسع حول البيئة الأمنية العالمية في ظل الحروب الإقليمية، وإمكانية أن تتحول بعض الأحداث الفردية أو الأيديولوجية إلى انعكاسات غير مباشرة لصراعات جيوسياسية أوسع.

ولعل هذه التطورات تقدم لمحة أولية عمّا يُطلق عليه في التحليلات الاستراتيجية “أسلحة إيران الخفية”، أي الأدوات غير التقليدية التي تستطيع طهران استخدامها لإرباك خصومها في حال تصاعدت المواجهة معها. فمع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع كلفتها الاقتصادية والعسكرية على إيران، لوّح قادة في طهران مراراً بأن الصراع لن يبقى محصوراً في ساحات القتال المباشرة، بل قد يمتد تأثيره إلى استقرار المنطقة بأكملها، بل وحتى إلى أمن الدول الغربية.

ولا تقوم هذه الاستراتيجية على المواجهة العسكرية المباشرة فحسب، بل تعتمد على منظومة معقدة من أدوات الضغط غير المباشر. في مقدمة هذه الأدوات القدرة على التأثير في طرق الطاقة العالمية، خصوصاً مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية. فمجرد تهديد الملاحة في هذا المضيق الحيوي أو استهداف ناقلات النفط في الخليج يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، وهو ما يشكل ضغطاً اقتصادياً كبيراً على الولايات المتحدة وأوروبا.

كما تشمل هذه الأدوات ما يُعرف بالحرب غير المتماثلة، حيث تعتمد إيران على شبكة من الحلفاء والجماعات المتحالفة معها في المنطقة. فهناك حزب الله في لبنان، والفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران في العراق، وجماعة الحوثي في اليمن، إضافة إلى مجموعات أخرى في سوريا. هذه الشبكة الإقليمية تمنح إيران القدرة على فتح جبهات ضغط متعددة على خصومها من دون الدخول في مواجهة مباشرة في كل ساحة.

إلى جانب ذلك، تُعد الهجمات السيبرانية جزءاً متزايد الأهمية من أدوات الضغط غير التقليدية. فقد طورت مجموعات قرصنة مرتبطة بإيران خلال السنوات الماضية قدرات متقدمة في استهداف البنى التحتية الرقمية، مثل شبكات الطاقة والمياه والمؤسسات الحكومية. وفي عالم يعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا والاتصالات، يمكن لمثل هذه الهجمات أن تُحدث اضطرابات واسعة دون إطلاق رصاصة واحدة.

ولا يقتصر المشهد على الحلفاء فقط، بل يشمل أيضاً خصوماً إقليميين يقفون في مواجهة النفوذ الإيراني، سواء على المستوى السياسي أو الإعلامي أو الشعبي. فإسرائيل تعد الخصم الأكثر وضوحاً لطهران، بينما تنظر بعض الدول العربية، خصوصاً في الخليج، بقلق إلى تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة. كما تشهد الساحة الإعلامية والرأي العام في عدد من الدول انقساماً واضحاً بين من يرى إيران قوة مقاومة للنفوذ الغربي، وبين من يعتبرها عاملاً لعدم الاستقرار الإقليمي.

هذا الانقسام يظهر أيضاً داخل المجتمعات الغربية نفسها، حيث تتباين المواقف بين تيارات سياسية وإعلامية مختلفة حول كيفية التعامل مع إيران، بين من يدعو إلى احتواء نفوذها عبر الدبلوماسية والاتفاقيات الدولية، وبين من يدعو إلى مواجهة أكثر صرامة.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو المواجهة بين إيران والغرب أبعد من مجرد صراع عسكري تقليدي. فهي صراع متعدد الأبعاد يمتد من الاقتصاد والطاقة إلى الأمن السيبراني والرأي العام وحتى الاستقرار الداخلي لبعض الدول. وفي هذا الإطار، تعتمد طهران على استراتيجية تقوم على تشتيت الخصوم ورفع كلفة المواجهة عليهم، بحيث يصبح أي صراع معها ذا تأثيرات تتجاوز بكثير حدود ساحة المعركة المباشرة.

وهكذا، فإن ما يُعرف بـ “أسلحة إيران الخفية” لا يتمثل في منظومات عسكرية سرية بقدر ما يتمثل في شبكة من الأدوات الاستراتيجية التي تستفيد من الترابط العالمي في الاقتصاد والأمن. وفي عالم شديد الترابط، قد يكون الضغط غير المباشر أحياناً أكثر تأثيراً من القوة العسكرية التقليدية، وهو ما يجعل هذه الأسلحة غير المرئية مصدر قلق دائم للغرب وجيران إيران على حد سواء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى