حرب أوكرانيا و روسيا و تختبر مستقبل النظام الدولي

/صورة بالذكاء الاصطناعي

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

عندما عبرت القوات الروسية الحدود الأوكرانية في 24 فبراير 2022، اعتقد كثيرون أن الحرب ستكون مواجهة عسكرية تقليدية تنتهي خلال أسابيع أو أشهر. لكن بعد أكثر من أربع سنوات، لم تعد الحرب تدور فقط حول مدن مثل دونيتسك أو خاركيف أو زابوريجيا، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح روسيا وأوروبا والولايات المتحدة وحلف الناتو، بل وحتى قضايا تمتد من أمن الطاقة إلى التوازنات العالمية الجديدة.

خلال هذه السنوات، تغيرت طبيعة الصراع بشكل جذري. فبينما كانت المعارك في بدايتها تركز على السيطرة الميدانية، أصبحت الحرب اليوم معركة استنزاف اقتصادية وتكنولوجية وسياسية طويلة الأمد. فروسيا التي واجهت آلاف العقوبات الغربية منذ عام 2022 تمكنت من إعادة توجيه جزء كبير من تجارتها نحو آسيا، بينما استمرت أوكرانيا في الاعتماد على الدعم العسكري والمالي الغربي الذي بلغ مئات المليارات من الدولارات منذ اندلاع الحرب.

وفي الأسابيع الأخيرة، بدا واضحًا أن المعركة لم تعد تقتصر على الجبهات العسكرية. فقد كثفت أوكرانيا استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى ضد أهداف داخل العمق الروسي، ووصلت بعض الضربات إلى منشآت تقع على بعد أكثر من 900 كيلومتر من خطوط القتال، بما في ذلك منشآت مرتبطة بصناعة الطائرات المسيّرة والبنية التحتية للطاقة.

وفي المقابل، تؤكد موسكو أن هذه الضربات لا تغير التوازن الاستراتيجي للحرب، وأن روسيا ما زالت تحتفظ بالمبادرة العسكرية في مناطق واسعة من الشرق والجنوب الأوكراني. كما ترفض الرواية الغربية التي تتحدث عن تقهقر روسي أو هزيمة وشيكة ، معتبرة أن الحرب دخلت مرحلة استنزاف طويلة تستفيد فيها روسيا من حجمها الاقتصادي والعسكري وقدرتها على التكيف مع العقوبات.

هذا التناقض بين الروايتين ليس جديدًا. فمنذ عام 2022، أصبحت الحرب الروسية الأوكرانية أيضًا حربًا للمعلومات. فكييف تبرز نجاحاتها العسكرية وضرباتها العميقة داخل الأراضي الروسية، بينما تركز موسكو على تقدمها الميداني وعلى ما تعتبره فشلًا غربيًا في تحقيق أهدافه الاستراتيجية. وبين هاتين الروايتين، يحاول المحللون العسكريون قياس الواقع على الأرض، حيث تشير تقديرات عديدة إلى أن مكاسب الطرفين أصبحت أكثر كلفة وأبطأ بكثير مما كانت عليه في السنوات الأولى للحرب.

وفي الوقت نفسه، تحولت أوروبا من مراقب للأحداث إلى طرف أساسي في المعادلة. فزيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الأخيرة إلى لندن واجتماعاته مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس لم تكن مجرد لقاءات دبلوماسية، بل رسالة سياسية تؤكد استمرار الرهان الأوروبي على دعم أوكرانيا عسكريًا وسياسيًا. وقد ركزت تلك الاجتماعات على تعزيز الدفاعات الجوية الأوكرانية وتوسيع الدعم العسكري في مواجهة الهجمات الروسية المتزايدة.

وفي المقابل، يواصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التأكيد على أن أهداف موسكو لم تتغير. ففي خطابه خلال منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي، شدد على أن روسيا ستواصل تحقيق ما تعتبره أهدافها الأمنية والاستراتيجية، ورفض فكرة اللقاء المباشر مع زيلينسكي بالشروط التي طرحتها كييف، مؤكدًا أن موسكو ترى جذور الأزمة أعمق من مجرد وقف إطلاق نار أو اتفاق مؤقت.

أما الولايات المتحدة، فتبقى اللاعب الأكثر تأثيرًا في خلفية المشهد. فواشنطن تنظر إلى الحرب باعتبارها جزءًا من معركة أوسع تتعلق بمستقبل الأمن الأوروبي ومصداقية التحالفات الغربية. وفي الوقت نفسه، تواجه الإدارة الأمريكية تحديات متزايدة نتيجة التوترات في الشرق الأوسط، خصوصًا مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائها في المنطقة. وهذا ما يطرح سؤالًا استراتيجيًا مهمًا: هل يستطيع الغرب الاستمرار في تمويل وإدارة أزمتين جيوسياسيتين كبيرتين في الوقت نفسه؟

هذا السؤال أصبح مطروحًا بقوة داخل الأوساط السياسية والعسكرية. فكل صاروخ دفاع جوي يُرسل إلى أوكرانيا هو مورد لا يمكن استخدامه في مكان آخر. وكل حزمة مساعدات جديدة تثير نقاشات داخل العواصم الغربية حول الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب الممتدة.

وفي خضم هذه المعركة، تستمر الاتهامات المتبادلة بين الطرفين بشأن الانتهاكات وجرائم الحرب والعنف ضد المدنيين. أوكرانيا وحلفاؤها الأوروبيون يشيرون إلى تقارير أممية وغربية تتحدث عن انتهاكات خطيرة ارتكبت خلال الحرب، بينما ترفض موسكو هذه الاتهامات وتصف جزءًا كبيرًا منها بأنه مسيس أو غير مثبت أو يستند إلى رواية أحادية الجانب.

لكن بعيدًا عن الجدل السياسي والإعلامي، يبقى الواقع الأكثر وضوحًا أن الحرب دخلت عامها الخامس دون أن يتمكن أي طرف من تحقيق نصر حاسم. فقد تحولت من حرب حركة إلى حرب استنزاف طويلة، ومن نزاع إقليمي إلى مواجهة عالمية غير مباشرة بين روسيا والغرب.

ولهذا ربما لم يعد السؤال الأهم اليوم هو: من سيسيطر على مدينة أو منطقة جديدة؟

بل أصبح السؤال:

إذا كانت هذه الحرب قد أعادت رسم خريطة الأمن الأوروبي، فكيف ستعيد رسم النظام الدولي بأكمله؟

لأن ما يجري في أوكرانيا لم يعد مجرد صراع بين دولتين متجاورتين، بل اختبار مفتوح لموازين القوة العالمية في القرن الحادي والعشرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى