عرض هرمز المرفوض يفتح اختباراً جديداً لقوة إيران وأمن الخليج

صورةً أرشيفية رويترز

 

نيويورك – زينة بلقاسم – الأمم المتحدة

خلال أربعٍ وعشرين ساعة فقط، انتقل ملف مضيق هرمز من احتمال انفراج دبلوماسي إلى اختبار أكثر خطورة لموازين القوة في الخليج. ففي 26 سبتمبر أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه رفض المقترح الإيراني الذي عُرض عبر قطر خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكان يقضي بإعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام مقابل خطوات أميركية تشمل إنهاء الحصار البحري على الموانئ الإيرانية وتخفيف القيود على صادرات النفط، ضمن مسار يؤدي لاحقاً إلى استئناف المفاوضات. وقال ترامب للصحفيين إن إيران «قدمت اقتراحاً» لكنه رفضه، معتبراً أن طهران تريد فتح المضيق بسبب الضغوط الاقتصادية التي تواجهها. Geo News
هذا التطور يغيّر الحسابات جذرياً مقارنة بعرض طهران نفسه قبل يومين. فوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي كان قد أعلن في نيويورك أن بلاده نقلت إلى واشنطن عبر قطر «خطة ملموسة من سبعة أيام»، يمكن بموجبها استعادة الملاحة الطبيعية إذا اتخذت الولايات المتحدة الإجراءات المطلوبة أولاً، على أن تبدأ المفاوضات حول اتفاق أوسع في اليوم السابع. وطهران أكدت في الوقت نفسه أنها لن تتخلى عن ما تعتبره حقوقها النووية، بما فيها تخصيب اليورانيوم، ولن ترسل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج. The Express Tribune
هنا يظهر جوهر الخلاف: واشنطن لا تريد أن تدفع الثمن الاقتصادي قبل أن تحصل على تنازل استراتيجي، وطهران لا تريد التخلي عن هرمز قبل أن ترى ثمناً اقتصادياً قابلاً للقياس. ولذلك لم يعد النزاع حول فتح المضيق وحده، بل حول ترتيب الخطوات. من يتنازل أولاً؟ ومن يضمن أن الطرف الآخر لن يحصل على مكسبه ثم يتراجع عن بقية الاتفاق؟ هذه هي عقدة الثقة التي أفسدت تفاهمات سابقة، وهي نفسها التي تجعل وقف النار أصعب من مجرد صياغة نص سياسي.
الأرقام تفسر لماذا تحوّل المضيق إلى قلب المساومة. فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، كان نحو 21.6 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات البترولية يمر عبر هرمز في الربع الأخير من 2025، قبل أن ينخفض إلى نحو 14.9 مليوناً في الربع الأول من 2026 ثم إلى قرابة 4.9 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني مع اتساع الحرب وتعطل الملاحة. والوكالة حذرت من أن بيانات تتبع السفن أصبحت أقل موثوقية منذ نهاية فبراير بسبب ظروف الحرب، لكن الاتجاه العام واضح: تدفقات الطاقة انخفضت بصورة تاريخية. WatchfulEye
وتقول وكالة الطاقة الدولية إن نحو ربع تجارة النفط البحرية في العالم كانت تمر عبر المضيق قبل الحرب، إضافة إلى أكثر من 110 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال سنوياً. كما تشير إلى أن القدرة المتاحة فعلياً لتجاوز هرمز عبر الأنابيب السعودية والإماراتية تتراوح تقريباً بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يومياً، أي أنها لا تستطيع تعويض كل ما يمر عبر الممر البحري. IEA وهذه الفجوة بين حجم التجارة والبدائل المتاحة هي التي تمنح الجغرافيا الإيرانية وزناً سياسياً أكبر من مجرد عدد السفن أو الصواريخ.
لكن تطور الساعات الأخيرة أظهر أن المشكلة لم تعد في هرمز وحده. ففي 26 سبتمبر قالت قوات التحالف الذي تقوده السعودية إنها اعترضت طائرتين مسيّرتين باتجاه الرياض وصاروخين بالستيين باتجاه خميس مشيط أطلقهم الحوثيون من اليمن. مجلس التعاون الخليجي وصف الهجمات بأنها «تصعيد خطير» وأعلن وقوف دول المجلس مع السعودية في إجراءات حماية أمنها وسيادتها. Internazionale وبذلك تصبح الجغرافيا الخليجية أمام ضغط مزدوج: مضيق هرمز شرقاً، والبحر الأحمر وباب المندب غرباً.
وهذا يفسر لماذا لا تستطيع السعودية وبقية دول الخليج النظر إلى الاتفاق الأميركي–الإيراني باعتباره شأناً ثنائياً. فإذا انتهت المواجهة بين واشنطن وطهران بينما بقيت الصواريخ الحوثية تضرب العمق السعودي، أو بقيت مسارات البحر الأحمر عرضة للتهديد، فإن استقرار هرمز وحده لن يعيد الاستقرار الكامل إلى صادرات الطاقة. والعكس صحيح: إذا نقلت دول الخليج المزيد من النفط غرباً لتجنب هرمز، فإن قيمة موانئ ينبع وخط الشرق–الغرب والطرق البحرية عبر البحر الأحمر ترتفع، لكنها تصبح بدورها أهدافاً ذات قيمة أكبر.
وفي هذا السياق، كانت فايننشال تايمز قد كشفت قبل أيام أن واشنطن تناقش مع حلفائها العرب صندوقاً استثمارياً مبدئياً بحوالي 10 مليارات دولار لتطوير بنى الطاقة وخطوط النقل التي تقلل الاعتماد على هرمز، مع تصور قد يرفع إجمالي الاستثمارات لاحقاً إلى أكثر من 50 مليار دولار بمشاركة الصناديق السيادية ورؤوس الأموال الخاصة. Financial Times هذه الخطة تكشف بُعداً استراتيجياً بالغ الأهمية: الولايات المتحدة تتفاوض اليوم بشأن إعادة فتح المضيق، لكنها تعمل في الوقت نفسه على تقليص قدرة أي دولة على استخدامه كورقة ضغط في المستقبل.
وهنا يتحول النفط من مجرد سلعة إلى أداة في هندسة ميزان القوة. فإذا نجحت مشاريع الأنابيب والموانئ البديلة، ستتراجع تدريجياً القيمة التفاوضية التي تمنحها الجغرافيا لإيران. أما إذا بقيت البدائل عرضة للصواريخ والمسيّرات في اليمن والبحر الأحمر، فإن المنطقة ستنتقل من مشكلة «عنق زجاجة واحد» إلى شبكة متعددة من نقاط الاختناق، وهو سيناريو أكثر كلفة لا أقل.
أوروبا تراقب هذه التطورات من زاوية مختلفة لكنها لا تقل حساسية. فالبنك المركزي الأوروبي توقع في سبتمبر أن يبلغ التضخم في منطقة اليورو ذروة تقارب 3.6% في الربع الأخير من 2026، مرجعاً جزءاً أساسياً من الزيادة إلى ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن حرب الشرق الأوسط. European Central Bank أي أن استمرار إغلاق هرمز أو تعثر التسوية لا يبقى مشكلة خليجية، بل ينتقل مباشرة إلى أسعار الكهرباء والغاز والنقل وأسعار الفائدة الأوروبية. ولهذا فإن بروكسل تريد خفض التصعيد، لكنها في الوقت نفسه لا تريد اتفاقاً قصيراً يعيد الملاحة مؤقتاً ثم يعيد الأزمة نفسها بعد أسابيع.
اقتصادياً، تتعامل طهران مع معادلة صعبة بدورها. هرمز هو أقوى أوراقها، لكن تعطيله الطويل يقلل صادرات المنطقة التي تعتمد إيران نفسها على جزء منها، فيما يضاعف الحصار والعقوبات الضغط على موارد الدولة والعملات الأجنبية. لذلك فالإبقاء على المضيق مغلقاً يرفع الكلفة على واشنطن وحلفائها، لكنه ليس مجانياً لإيران. أما الولايات المتحدة فتراهن على أن الزمن يعمل لمصلحتها: كل شهر إضافي من الحصار يضغط أكثر على الاقتصاد الإيراني، بينما تستطيع واشنطن الاعتماد على بدائل إنتاجية واحتياطيات أوسع. هذه قراءة استراتيجية وليست حقيقة محسومة؛ لأن ارتفاع النفط والتضخم يمكن أن يرتد أيضاً على الاقتصاد الأميركي وحلفائه إذا طال أمد المواجهة.
والسؤال الأهم بعد رفض ترامب ليس ما إذا كان باب التفاوض قد أغلق نهائياً. حتى التصريحات الأميركية الأخيرة تركت الباب مفتوحاً لاتفاق مختلف، كما أن الاتصالات عبر الوسطاء لم تتوقف رسمياً. لكن الرفض العلني يعني أن واشنطن تريد صفقة أوسع أو أكثر تشدداً من العرض الإيراني الحالي، بينما تصر طهران على أن فتح هرمز لا يمكن أن يكون تنازلاً مجانياً. وبالتالي دخل الطرفان مرحلة جديدة من اختبار الإرادات: كل طرف يحاول إثبات أن قدرته على تحمل الوقت أكبر من قدرة خصمه.
وهنا تكمن المفارقة الجيوسياسية في تطورات 27 سبتمبر: قبل يومين كانت إيران تقول إن سبعة أيام تكفي لفتح هرمز وبدء مسار تفاوضي جديد؛ أما اليوم، وبعد الرفض الأميركي واستمرار هجمات الحوثيين على السعودية، أصبح السؤال أكبر من المضيق نفسه. هل تستطيع واشنطن تحويل الحصار إلى اتفاق يغيّر السلوك الإيراني، أم تستطيع طهران تحويل كلفة الطاقة والممرات البحرية إلى ضغط يجبر الولايات المتحدة على تخفيف شروطها؟
الإجابة لن تحدد مستقبل هرمز فقط. ستحدد أيضاً شكل أمن الخليج، وحدود الدور الإيراني في اليمن والعراق ولبنان، ومستقبل شبكات الطاقة التي تربط الخليج بآسيا وأوروبا، وما إذا كان الشرق الأوسط يتجه إلى تسوية جديدة أم إلى حرب استنزاف تتحول فيها الجغرافيا والطاقة والتمويل إلى أسلحة لا تقل أهمية عن الصواريخ نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى