بين الصاروخ والنجاة.. أسرار اللطف التي لا نراها

بقلم ✍️ :زعفران علي المهنا
اليوم، وأنا أتابع عبر وسائل الإعلام مشهد المنزل الذي سقط عليه الصاروخ في حي سكني بمنطقة الزمر في صنعاء، توقفت أمام تفصيل لم أستطع تجاوزه.
المنزل تضرر، والجدران تلقت قسوة الانفجار، لكن الأرواح التي كانت بداخله بقيت حية، ولم يصب أحد من أفراده بأذى، بحسب ما شاهدت.
وهنا بدأ السؤال الذي لم يفارقني:
ماذا حدث بين لحظة سقوط الصاروخ ولحظة النجاة؟
كيف يمكن للحظة واحدة أن تحمل كل هذا الموت المحتمل، ثم تنتهي ببقاء الجميع على قيد الحياة؟
هل هي مصادفة؟ هل هي تفاصيل مادية دقيقة لم نرها، من زاوية السقوط إلى طبيعة البناء ومواقع الأشخاص؟ أم أن القلب، حين يشهد نجاة كهذه، يستشعر لطفا إلهيا أكبر من قدرته على الفهم والتفسير؟
لا أملك إجابة قاطعة، ولا أدعي أنني أعرف أسرار الغيب. لكنني أعرف أن هناك فرقا بين أن نفسر كيف وقعت النجاة، وبين أن نتأمل ماذا تعني لنا.
العلم قد يفسر كيف نجا الناس، والإيمان يمنح القلب مساحة ليحمد الله على نجاتهم، وبين التفسيرين لا يحتاج الإنسان إلى اختراع أسرار لا دليل عليها، ولا إلى إغلاق نافذة التأمل في رحمة الله ولطفه.
ربما كان جدار قد حمى روحا، وربما غير اختلاف صغير في مسار الانفجار مصير أسرة كاملة، وربما اجتمعت أسباب لم نرها ولم نعرفها. لكن النتيجة التي تستحق أن نتوقف عندها هي أن أشخاصا كانوا معرضين لخطر هائل، وما زالوا اليوم بيننا.
وهنا شعرت أن بعض المشاهد لا تمر أمام أعيننا فقط، بل توقظ في داخلنا أسئلة كانت نائمة.
كم مرة عبرنا في حياتنا من لحظات لم نكن نعرف خطورتها إلا بعد أن انتهت؟ كم مرة تأخرنا عن مكان، أو غادرنا موقعا، أو تغير مسار يومنا لسبب بسيط، ثم اكتشفنا لاحقا أن أمرا مختلفا كان يمكن أن يحدث؟
لا نستطيع أن نجزم بأن وراء كل نجاة تدبيرا خفيا نعرف تفاصيله، لكننا نستطيع أن نعيش بامتنان، وأن نؤمن بأن رحمة الله أوسع من إدراكنا، وأن نوقن بأن الحياة أثمن بكثير مما نتصور ونحن نعيش أيامنا العادية.
أحيانا لا تكون المعجزة التي نبحث عنها في معرفتنا بكيف حدثت النجاة، بل في قدرتنا على رؤية قيمة الحياة بعد أن نرى كم كانت قريبة من الفقد.
تخيلوا معي ذلك المنزل بعد انقشاع الغبار. ربما سيعود أهله إلى ترتيب ما تبقى، وإصلاح ما تهدم، وجمع أغراضهم من بين الركام. لكنهم لن ينظروا إلى جدران بيتهم بالطريقة نفسها، ولن يمر يوم عادي عليهم دون أن يتذكروا أن وجودهم معا ليس أمرا هينا.
ستصبح ضحكة أحدهم نعمة، وصوت الآخر طمأنينة، واجتماعهم حول مائدة واحدة حكاية تستحق الحمد.
لهذا، فإن أكثر ما أتمناه بعد هذا المشهد ليس أن نبقى أسرى الدهشة، بل أن نتعلم منها الرحمة، وأن نتذكر أن خلف كل منزل أشخاصا وأحلاما وقلوبا لا ذنب لها في الحروب.
يا رب، كما نجت هذه الأرواح، احفظ أرواح الناس جميعا. احفظ البيوت التي ينام فيها الأطفال مطمئنين، والأمهات اللواتي يخفين خوفهن حتى لا يفزع أبناؤهن، والآباء الذين لا يملكون أمام الخطر إلا الدعاء.
يا رب، اجعل لنا من لطفك ما لا نحتسب، ومن رحمتك ما يطمئن قلوبنا، ومن السلام ما يعيد إلى بيوتنا سكينة الحياة.
أنا زعفران، لا أبحث عن تفسير للغيب بقدر ما أبحث عن معنى يعيد إلى قلبي الطمأنينة. واليوم، علمني هذا المشهد أن نحمد الله على كل روح بقيت، وأن ندرك أن سلامة إنسان واحد تستحق أن نحمد الله عليها، فكيف حين تنجو أسرة كاملة؟ش
الحمد لله على سلامتهم، واللهم سلاما لا يعقبه فزع، وبيوتا لا تعرف الصواريخ، وسماء لا تحمل للناس إلا المطر والرحمة.



