معركة القرن على الرقائق والسيادة التكنولوجية

معركة القرن على الرقائق والسيادة التكنولوجية

 

 

نيويورك – زينه بلقاسم – الأمم المتحدة

اذا تخيلنا خريطة العالم مرسومة على لوحة إلكترونية عملاقة، تتوسطها رقاقة لا يتجاوز حجمها بضعة مليمترات، تمتد منها خطوط مضيئة نحو واشنطن وبكين وسيول وتايبيه. على أحد طرفي اللوحة، مصانع أميركية تصمم عقول الآلات، وعلى الطرف الآخر، مصانع صينية تسابق الزمن لتصنيعها. وبينهما تدور معركة صامتة، لا تُسمع فيها أصوات المدافع، بل ضجيج مراكز البيانات والمختبرات وأجهزة التصنيع التي تبلغ دقتها أجزاء من المليار من المتر. ففي القرن الماضي، كانت القوى الكبرى تتنافس على آبار النفط وطرق التجارة، أما اليوم فأصبحت رقائق أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي من أهم مفاتيح النفوذ الاقتصادي والأمني. وخلال أكتوبر 2026، برزت ثلاثة تطورات صينية لافتة أعادت تسليط الضوء على المنافسة التكنولوجية مع الولايات المتحدة: تقدم في صناعة رقائق الذاكرة، وتوسع حصة هواوي من معالجات الذكاء الاصطناعي، وتقلص الفجوة بين بعض النماذج الذكية الصينية والأميركية. فهل بدأت خريطة القوة التكنولوجية العالمية تتغير، أم أننا أمام فصل جديد من سباق طويل لا تزال واشنطن تحتفظ فيه بمزايا استراتيجية مهمة؟
بدأت الحكاية من شركة «سي إكس إم تي» الصينية، التي كشفت في أكتوبر عن تقدم في تطوير بنية جديدة لخلايا ذاكرة «دي رام»، قد تسمح نظرياً بتقليص المساحة اللازمة لكل خلية بنحو الثلث، وزيادة كثافة التخزين. وبحسب «كاونتربوينت ريسيرش»، ارتفعت حصة الشركة من إيرادات سوق الذاكرة العالمية من 4% في الربع الثاني من 2025 إلى 10% في الربع الثاني من 2026، مقتربة من سوق تهيمن عليه سامسونغ وإس كيه هاينكس ومايكرون الأميركية. ولم تكد الأنظار تبتعد عن مصانع الذاكرة حتى ظهرت هواوي في قلب المنافسة على معالجات الذكاء الاصطناعي؛ إذ نقلت «رويترز»، استناداً إلى بيانات «آي دي سي»، وصول حصتها من شحنات المعالجات المخصصة لمراكز البيانات الصينية إلى 28% خلال النصف الأول من 2026، مقابل 34% لإنفيديا الأميركية. وبلغت شحنات هواوي نحو 572 ألف معالج، مقابل 678 ألفاً لإنفيديا. أما التطور الثالث فجاء من عالم الخوارزميات؛ فقد أشار تحليل لـ«بلومبرغ إنتليجنس» في أكتوبر إلى تقلص الفجوة في أداء بعض النماذج الصينية والأميركية إلى نحو 3%، مقارنة بنحو 15% في فترة سابقة من العام. وهذه النسب تخص أسواقاً واختبارات محددة، ولا تعني أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة عالمياً، لكنها تكشف أن المنافسة باتت تشمل الرقاقة والمعالج والنموذج الذكي في آن واحد.
ولفهم أهمية هذه التطورات، يكفي النظر إلى مركز بيانات حديث: صفوف طويلة من الخوادم، آلاف المعالجات، أنظمة تبريد ضخمة، وكميات هائلة من الكهرباء تُستهلك لتحويل البيانات إلى معرفة قابلة للاستخدام. هنا لا تكفي قوة المعالج وحدها؛ فالذاكرة السريعة ضرورية لتغذية العمليات الحسابية، والبرمجيات المتقدمة تحدد كفاءة تشغيل الأجهزة، والطاقة والبنية التحتية تحددان قدرة الشركات على التوسع. ولهذا تحتفظ الولايات المتحدة بمزايا كبيرة في تصميم المعالجات والبرمجيات والحوسبة السحابية، مستفيدة من إنفيديا ومايكرون ومنظومة بحثية وصناعية واسعة وشراكات مع تايوان وكوريا الجنوبية واليابان وأوروبا. وفي المقابل، تراهن الصين على الاستثمار طويل المدى، وتطوير البدائل المحلية، وتحسين كفاءة النماذج لتقليل الحاجة إلى موارد حوسبة باهظة. لكن ارتفاع حصة هواوي داخل الصين لا يثبت تحقيق الاكتفاء الذاتي، كما أن تقدم شركة في تصميم ذاكرة جديدة لا يضمن نجاح إنتاجها التجاري على نطاق واسع. فالتفوق التكنولوجي لا يُقاس بمن يصنع الرقاقة الأسرع فقط، بل بمن يستطيع إنتاجها بكميات كبيرة، وتشغيلها بكفاءة، وتوفير برمجيات تدعمها، وبيعها بتكلفة تنافسية.
ومن مصانع الرقائق تنتقل المعركة إلى الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت التكنولوجيا جزءاً من حسابات السيادة الوطنية والأمن الاقتصادي. فالولايات المتحدة تنظر إلى حماية التقنيات المتقدمة باعتبارها امتداداً لأمنها القومي وقدرتها على الابتكار، بينما تسعى الصين إلى تقليل اعتمادها على الموردين الخارجيين وتعزيز قدراتها الصناعية. أما أوروبا، فتحتفظ بموقع محوري عبر شركات معدات تصنيع الرقائق، وفي مقدمتها «إيه إس إم إل» الهولندية، فيما تراقب دول الخليج التطورات وهي تستثمر في مراكز البيانات والبنية السحابية وتنويع اقتصاداتها. وقد تستفيد الأسواق من اتساع المنافسة وانخفاض تكلفة بعض خدمات الذكاء الاصطناعي، لكنها تواجه أيضاً احتمال تباعد المعايير التقنية وسلاسل التوريد. وهنا تتضح الأبعاد الجيوسياسية: لم تعد الرقائق مجرد سلعة إلكترونية، بل أصبحت أحد العناصر التي تحدد استقلال الصناعات وحماية البيانات والقدرة على تطوير الأنظمة الذكية.
وإذا عدنا إلى تلك اللوحة الإلكترونية التي بدأ منها المشهد، فسنجد أن الخطوط المضيئة بين واشنطن وبكين لم تنقطع؛ إنها تتقاطع مع مصالح دول وشركات لا يمكن اختزالها في طرفين. وقد تتوسع الصين في بناء منظومتها المحلية، وتواصل الولايات المتحدة تطوير أجيال أكثر تقدماً من المعالجات والنماذج، أو تتجه الأسواق نحو تعددية تكنولوجية تزيد الخيارات أمام المستخدمين. ولا تسمح المؤشرات الحالية بحسم نتيجة هذا السباق. لكن المفارقة أن الصراع على النفوذ، الذي كانت ترسم حدوده في الماضي الجيوش والأساطيل وحقول النفط، أصبح يتشكل اليوم أيضاً داخل مصانع معقمة تُصنع فيها رقائق أصغر من ظفر الإصبع. وفي عالم يتسارع فيه الذكاء الاصطناعي، يبقى السؤال: هل تتجه البشرية نحو منظومات تكنولوجية متنافسة ومنفصلة، أم نحو ابتكارات تتنافس تجارياً وتظل قادرة على التعاون؟ فمعركة القرن لا تدور فقط حول من يمتلك الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً، بل حول من يستطيع تحويل المعرفة إلى صناعة، والصناعة إلى قوة اقتصادية مستدامة، دون أن تتحول التكنولوجيا إلى حدود جديدة تفصل العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى