تعز في قلب اليمن.. حين يوجعنا وجع بعضنا

✍️ بقلم : زعفران علي المهنا
هناك أوجاع لا تحتاج إلى موقف سياسي كي نشعر بها، ولا تحتاج إلى تحليل طويل كي نفهم قسوتها. يكفي أن نكون يمنيين، وأن نرى بيتا يمنيا يتألم، حتى نشعر أن شيئا في داخلنا قد انكسر.
اليوم، ونحن نتابع ما يحدث في تعز، لا أجد الكلمات التي تكفي لوصف هذا الوجع. لا أستطيع أن أستوعب كيف يمكن أن يصل الخلاف بين أبناء الوطن الواحد إلى أن يصبح البيت اليمني هدفا، والإنسان اليمني ضحية، والدم اليمني رقما يضاف إلى حصيلة يوم آخر.
تعز ليست مجرد محافظة على خارطة اليمن، وليست اسما يرتبط بمدينة أو منطقة بعينها. تعز حاضرة في تفاصيل الحياة اليمنية كلها؛ في صنعاء، وفي عدن، وفي حضرموت، وفي مأرب، وفي الحديدة، وفي كل قرية ومدينة تقريبا.
أبناء تعز الذين نلتقيهم في المحلات والشركات والمكاتب والمدارس، والذين يقدمون خدماتهم للناس، ويكدحون من أجل أسرهم، أصبحوا جزءا من النسيج الاجتماعي والاقتصادي لكل محافظة. بيننا وبينهم زمالة وصداقة ومصاهرة وجيرة وعشرة عمر. كم من بيت يمني فيه زوج أو زوجة أو صهر أو قريب من تعز؟ وكم من علاقة بدأت بمعاملة بسيطة في متجر، ثم تحولت إلى مودة واحترام ورفقة سنوات؟
لهذا، حين تتألم تعز، لا يبقى وجعها داخل حدودها الجغرافية. إنه يمتد إلى كل مكان يسكنه يمني أحب يمنيا آخر، أو عمل معه، أو تقاسم معه رغيف الخبز ولقمة العيش.
ما الذي يمكن أن يبرر أن يخاف الإنسان على حياته داخل وطنه؟ وما الذي يمكن أن يجعل اليمني يرفع يده على أخيه اليمني، وكأنهما لا ينتميان إلى الأرض نفسها، ولا يجمعهما تاريخ ولا مستقبل ولا مصير مشترك؟
أحاول أن أفهم، فلا أجد في داخلي مساحة تتسع لتقبل فكرة أن تصبح المناكفات أقوى من صلة الدم، وأن يصبح الاختلاف سببا للموت، وأن تتحول البيوت التي يفترض أن تمنح أهلها الأمان إلى أماكن يطاردها الخوف.
ليس مطلوبا من الناس أن يتفقوا في آرائهم، ولا أن يتشابهوا في قناعاتهم، ولا أن يتنازلوا عن حقهم في الاختلاف. لكن من حق كل إنسان أن يعيش آمنا، وأن ينام أطفاله دون فزع، وأن يخرج أبناؤه إلى مدارسهم وأعمالهم وهم يعرفون أنهم سيعودون إلى بيوتهم.
الحياة لا ينبغي أن تدار بالرصاص، ولا أن تحكمها رائحة البارود. الحياة تدار بالحوار، وبالرحمة، وباحترام حق الإنسان في أن يكون مختلفا دون أن يدفع حياته ثمنا لهذا الاختلاف.
وأكثر ما يؤلمني أن اليمني الذي يبحث اليوم عن لقمة عيشه، والذي يحمل هم أسرته، والذي يريد أن يعلم أبناءه ويعالج مرضاه ويعيش بكرامة، يجد نفسه محاصرا بأوجاع لم يخترها، ويدفع ثمن صراعات لم تكن أحلامه يوما جزءا منها.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الكراهية كي نثبت مواقفنا، ولا إلى مزيد من الضحايا كي ننتصر لآرائنا. نحتاج إلى أن نستعيد إنسانيتنا، وأن نتذكر أن وراء كل اسم نسمعه أما تنتظر، وطفلا يسأل عن أبيه، وأسرة تتعلق بأمل العودة، وبيتا كان بالأمس عامرا بالضحكات.
ومع كل هذا الوجع، تبقى هناك حقيقة أتمنى أن يدركها كل يمني، في تعز وصنعاء وعدن وسائر المحافظات: لا أحد سيحب اليمن أكثر من أبنائه، ولا أحد سيحمل هم مستقبلهم كما يحملونه هم أنفسهم. لذلك، علينا جميعا أن نراجع حساباتنا، وألا نسمح لأي مصلحة، من الداخل أو الخارج، أن تكون أغلى من حياة إنسان يمني أو أمان أسرة يمنية.
وأقول لأهلنا في تعز، من موقع المحبة لا الخصومة: أنتم منا ونحن منكم، ومكانتكم في قلوب اليمنيين أكبر من أي خلاف. حافظوا على هذه المكانة، واجعلوا مصلحة اليمن وأبنائه بوصلتكم، ولا تسمحوا لأي حسابات أن تبعدكم عن محيطكم اليمني الذي يجمعكم به التاريخ والنسب والعيش المشترك. فالأوطان لا يحميها الاستقواء بالآخرين، بل يحميها وعي أبنائها، وتماسكهم، وإيمانهم بأن مصيرهم واحد مهما اختلفت طرقهم.
هذه ليست رسالة سياسية، بل أمنية يمنية صادقة: أن نختلف دون أن نتقاتل، وأن نتمسك بحقوقنا دون أن نفقد إنسانيتنا، وأن نبحث عن حلول تحفظ لنا وطننا بدلا من أن نكسب جولة ونخسر بعضنا إلى الأبد.
تعز اليوم تذكرنا بحقيقة يجب ألا ننساها: لا توجد محافظة يمنية تستطيع أن تعيش وحدها، ولا توجد منطقة يمكن أن تنجو من وجع اليمن إذا ظل اليمنيون يوجع بعضهم بعضا.
قد تختلف الجغرافيا، وتتعدد الآراء، وتتباين المواقف، لكننا في النهاية أبناء وطن واحد، وأي دم يسيل فيه هو خسارة لنا جميعا.
رسالتي ليست إلى طرف سياسي، ولا هي دفاع عن طرف ضد آخر. إنها رسالة إلى ضمير كل يمني، أيا كان موقعه أو انتماؤه أو رأيه: أوقفوا هذا النزيف، واحموا الإنسان، واتركوا للأجيال القادمة وطنا تتسع أرضه للاختلاف، ولا تضيق فيه الحياة على أبنائه.
يا أبناء اليمن، لسنا بحاجة إلى أن ننتصر على بعضنا، بل إلى أن ننجو ببعضنا.
فما قيمة وطن نربح فيه الجدل ونخسر فيه الإنسان؟ وما قيمة أي انتصار إذا عدنا منه إلى بيوت خالية من أصحابها، وقلوب لا تعرف كيف تفرح، وأطفال كبروا قبل أوانهم لأننا لم نستطع أن نمنحهم أبسط حقوقهم: الأمان؟
تعز في القلب، واليمن في القلب، وكل إنسان يمني يستحق الحياة.
ولعلنا ندرك، قبل أن يتسع الخراب أكثر، أن الحب ليس ضعفا، وأن التسامح ليس هزيمة، وأن حماية حياة الإنسان ليست موقفا سياسيا، بل هي الحد الأدنى من إنسانيتنا.
اللهم احفظ تعز وأهلها، واحفظ اليمن وأبناءه، واجعل ليل الخائفين أمنا، ودموع الأمهات فرحا، وبيوت اليمن عامرة بأهلها، لا برائحة البارود وذكريات الغائبين.



