هل تتحول غرينلاند إلى شرخ داخل حلف شمال الأطلسي

نيويورك – خاص – زينة بلقاسم
أعادت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مطلع يناير بشأن امتلاك غرينلاند الجدلَ القديم إلى الواجهة، لكن المختلف هذه المرة هو حدّة اللهجة وتزامنها مع تصاعد التنافس في القطب الشمالي. ردّت حكومة غرينلاند بوضوح أن أمن الجزيرة يجب أن يُدار عبر حلف شمال الأطلسي، رافضةً أي فكرة استحواذ أو ترتيب أحادي، بينما حذّر مسؤولون أوروبيون من أن أي تحرك عسكري أميركي ضد إقليم مرتبط بدولة عضو في الحلف سيضرب وحدة التحالف في الصميم.
يُعزى تركيز ترامب على غرينلاند إلى مزيج من الجغرافيا العسكرية والاقتصاد السياسي للموارد فالجزيرة تقع على عقدة حيوية بين أميركا الشمالية وأوروبا والقطب الشمالي، ومع ذوبان الجليد وفتح مسارات بحرية أطول فترة من العام، تصبح السيطرة على الممرات والإنذار المبكر والاتصالات الفضائية أكثر إلحاحاً في حسابات القوى الكبرى. ربطت تقارير تحليلية وإعلامية خطاب ترامب بقلق أميركي متنامٍ من تحركات روسيا والصين في القطب الشمالي، وبفكرة أن الجزيرة حارس للمدخل الشمالي للأميركيتين.
وتزداد أهمية غرينلاند عندما نضع الأرقام على الطاولة. مساحة الجزيرة تقارب مليونين ١٦٦ ألف كيلومتر مربع، وهي أكبر جزيرة في العالم، لكن معظمها مغطى بالجليد، فيما لا تتجاوز المنطقة الخالية من الجليد نحو ٤١٠ آلاف كيلومتر مربع. أما السكان فعددهم صغير جداً مقارنة بالمساحة؛ إذ تُظهر إحصاءات رسمية أن عدد السكان بلغ نحو ٥٦٥٤٢ ألفاً نسمة في عام ٢٠٢٥، ويتمركز أكثر من ٦٥٪ منهم في خمس مدن ساحلية كبرى. هذه الفجوة بين ضآلة السكان وضخامة الأرض تجعل ملف السيادة شديد الحساسية، وتُفسر أيضاً لماذا تُطرح غالباً أفكار التمركز والعقود لا الضم في النقاشات الواقعية.
ويأتي بُعد الموارد كعامل جذب ثانٍ لا يقل وزناً. و توصف غرينلاند غناها بمعادن استراتيجية تُستخدم في تقنيات الطاقة والاتصالات والدفاع، وعلى رأسها عناصر الأرض النادرة. أشارت تقارير بحثية إلى أن الجزيرة تمتلك موارد مهمة لكنها غير مستغلة على نطاق واسع بسبب قسوة البيئة وضعف البنية التحتية وتكاليف التعدين والاعتبارات البيئية، ومع ذلك تظل مغرية في سياق سعي واشنطن لتقليل الاعتماد على سلاسل إمداد تهيمن عليها الصين في مراحل المعالجة والتكرير.
أما عن التوقيت و لماذا الآن؟ يمكن الاجابة بالأقرب وهي تلاقي عاملين، الأول هو تسارع المنافسة على القطب الشمالي مع تغير المناخ وازدياد الحديث عن طرق الشحن والموارد، والثاني هو أن الرئيس الأمريكي ترامب يوظف الملف سياسياً ضمن سردية “أميركا أولاً” باعتبارها استعادة للهيمنة وحسم للملفات بالضغط والصفقات. و قد نقلت عنه تقارير صحفية أنه لا يريد فقط ترتيبات وجود أو عقوداً، بل يتحدث عن الملكية، وهو ما يرفع سقف الأزمة مع الحلفاء ويحوّل ملفاً أمنياً قابلاً للإدارة إلى صدام سيادي.
وفي المقابل، من المهم فهم أن الولايات المتحدة ليست غائبة عن غرينلاند حتى تحتاج للذهاب إلى خيار صدامي، فهناك اتفاق دفاعي تاريخي يتيح وجوداً عسكرياً أميركياً وتعاوناً أمنياً على الجزيرة منذ منتصف القرن العشرين، وتوجد قاعدة أميركية ذات دور في الإنذار المبكر ومراقبة الفضاء ضمن منظومة الدفاع الشمالية. يجادل الكثير من الخبراء بأن واشنطن تستطيع تعزيز مصالحها عبر توسيع التعاون والاستثمار والتنسيق مع كوبنهاغن وحكومة غرينلاند، من دون أي خطوة قسرية.
وعند السؤال عن موقف أعضاء حلف شمال الأطلسي والدنماركيين، ركز الموقف الرسمي في كوبنهاغن وغرينلاند على السيادة وتقرير المصير، وعلى أن الدفاع يجب أن يبقى ضمن إطار الحلف، لا عبر ترتيبات أحادية تفرضها قوة أكبر على حليف أصغر. وقد صدرت في الأيام الأخيرة، تحذيرات أوروبية علنية بأن أي استخدام للقوة ضد إقليم مرتبط بدولة عضو سيخلق أزمة وجودية للحلف، لأن فكرة الحلف تقوم على الدفاع الجماعي والثقة المتبادلة لا على الإكراه داخل البيت الواحد.
فهل سيُواجه الجميع عسكرياً خاصة و أن الحلفاء ضعفاء؟ هنا يجب التفريق بين الخطاب السياسي والواقع المؤسسي، صحيح أن الولايات المتحدة هي الممول والركيزة العسكرية الأهم داخل الحلف، لكن أي عمل عسكري ضد عضو أو ضد إقليم يُعد امتداداً لعضو ينسف الأساس القانوني والسياسي للتحالف، وقد يدفع إلى ردود سياسية واقتصادية وقانونية واسعة حتى لو كانت الخيارات العسكرية المباشرة معقدة. إضافة إلى ذلك، ثمة نقاشات علنية بأن مظلة الدفاع الجماعي تمتد إلى غرينلاند بوصفها جزءاً من مملكة الدنمارك، وهو ما يجعل أي سيناريو قوة أقرب إلى كارثة تحالفية منه إلى مكسب سريع.
لهذا، قبل السؤال عن القدرة وجب احتساب الكلفة: أي محاولة لفرض السيطرة بالقوة ستعني صداماً مباشراً مع مبادئ السيادة والقانون الدولي، وستقوض مكانة واشنطن داخل التحالف، وقد تُفجّر انقسامات عميقة في أوروبا حول الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة. حتى التحليلات القريبة من دوائر صنع القرار تميل إلى أن مصالح واشنطن تُخدم بصورة أفضل عبر الاستثمار في البنية التحتية والاتفاقات التعدينية والتعاون الدفاعي مع الدنمارك وغرينلاند، لأن البيئة اللوجستية والحقوق السياسية المحلية والاعتراض الدولي تجعل خيار القوة عملياً أسوأ طريق لتحقيق الهدف المعلن.
و بالتالي فاحتمال أن تكون غرينلاند شرخاً داخل الحلف هو احتمال قائم على مستوى السياسة والخطاب إذا استمرت التصريحات التصعيدية، لأن الملف يمس جوهر الثقة بين الحلفاء. لكن في ميزان الواقع، غرينلاند ليست أرضاً بلا ترتيب حتى تُنتزع، سكانها قليلون لكن مؤسساتها قائمة، وهي جزء من دولة عضو، ولها وزن رمزي كبير في مسألة تقرير المصير. لذلك، الأكثر ترجيحاً أن يتحول الملف إلى ورقة ضغط تفاوضية: زيادة وجود عسكري أميركي ضمن اتفاقات قائمة، و صفقات استثمار ومعادن، أو ترتيبات أمنية أوسع في القطب الشمالي… لا إلى مغامرة عسكرية تُفكك التحالف الذي تقوده واشنطن نفسها.



