حبٌّ قاسٍ يشعلُ منطقةَ الشرق الأوسط

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
لم تتفجر الأوضاع في الشرق الأوسط و تُقصف ايران من العدم، ولم تُولد من لحظة غضب عابرة؛ فالضربات الأميركية/الإسرائيلية التي بدأت فجر هذا السبت جاءت بعد أسابيع من تسخينٍ متدرّج للمشهد، كان عنوانه العلني التلويح بالخيارات بينما كان العتاد والخرائط تُرتَّب في الخلفية. قبل أيام فقط، تحدثت تقارير عن محدودية “نافذة الضربات المكثفة” الأميركية إن طالت، مشيرةً إلى تقديرات منسوبة إلى معلومات استخباراتية إسرائيلية نقلتها صحيفة “فايننشال تايمز” بأن القدرات الحالية تكفي لأربعة إلى خمسة أيام من الضربات الثقيلة قبل أن يتحول الإيقاع إلى نمط أقل كثافة أو يحتاج إلى إعادة تموضع وإمداد. وفي الأسبوع ذاته، ظلت النقاشات تدور علناً حول التنازلات التي قد تقدمها طهران لتجنب الحرب، وسط حديث عن مستويات تخصيب وصلت إلى ٦٠٪ بعد انهيار مسار اتفاق عام ٢٠١٥، وعودة الملف إلى مربّع الضغط والتهديد.
ثم جاءت ساعة الصفر. العملية التي وصفتها تغطيات دولية بأنها حملة عسكرية واسعة ومنسّقة بدأت على موجات داخل إيران، استهدفت بحسب ما تسرّب من تقارير عسكرية وإعلامية منشآت وقدرات للحرس الثوري، وبنية إطلاق الصواريخ، ومرافق تحت الأرض قيل إنها تتصل بالبرنامج النووي، مع استهداف دوائر قيادية عليا أيضاً. في اللحظة نفسها تقريباً، خرج الرئيس دونالد ترامب بخطاب مصوّر أعلن فيه بدء عمليات قتالية كبرى ووضع هدفاً سياسياً أكبر من مجرد ضربة ردع: إسقاط ما سماه نظاماً يهدد المنطقة، وشل القدرات الصاروخية، وإنهاء البرنامج النووي الذي وصفه بأنه خطر مرعب للإقليم، و ذهب إلى أبعد من ذلك بمخاطبة الإيرانيين داعياً إلى تغيير النظام بعد انتهاء الضربات، في خطاب يحمل معنى أن الحملة ليست مجرد توازن قوة، بل محاولة كسر عمود الشرعية في قلب طهران.
لكن الشرق الأوسط لا يمنح ضربة نظيفة بلا فاتورة. حيث ردّت طهران سريعاً، وبزخمٍ يوحي أنها كانت تُمسك بخيارات جاهزة للانتقال الفوري إلى الرد، فأطلقت صواريخ ومسيّرات باتجاه إسرائيل، ووسّعت الرد إلى استهداف قواعد ومواقع أميركية في دول شرق اوسطية بدأتها بالخليجية المجاورة. هنا، دخلت الأزمة طوراً أخطر: لم يعد الأمر صراعاً بين دولتين فقط، بل اتساعاً للساحة إلى دول ثالثة تعيش فوق أراضيها قواعد أجنبية، وهو ما يضع ضرب هذه الأراضي في خانة انتهاك السيادة وفتح باب محاذير القانون الدولي، حتى لو كان تبريره ب “الرد على العدوان”. وفي هذا السياق، بدأت الحكومات الغربية تتعامل مع المشهد باعتباره حرباً إقليمية قابلة للاتساع لا مجرد مناوشة بين طهران وتل أبيب، فيما أشارت تغطيات إلى دعوات لمواطني دول غربية في الخليج إلى الاحتماء والبقاء في أماكنهم.
داخل سماء تل أبيب، تَرجمت لغة الرد نفسها إلى معادلة تقنية قاسية: صاروخ باليستي قد يحتاج قرابة ١٢ إلى ١٣ دقيقة من إيران إلى إسرائيل، ونافذة اعتراض لا تتجاوز ثلاث إلى أربع دقائق في منطقة الاشتباك، بسرعة تتجاوز أربعاً إلى خمس مرات سرعة الصوت، وهو ما يجعل المشهد الذي يراه المدنيون في السماء ليس مجرد اعتراض ناجح، بل انفجارات متكررة وشظايا قد تسقط حتى حين ينجح الاعتراض. هذه هي رياضيات الصواريخ التي تعيد تعريف الحرب: ليس السؤال كم صاروخ أُطلق فقط، بل كم منصة إطلاق بقيت تعمل بعد الضربات الأولى، لأن المنصات هي التي تحدد وتيرة القصف وقدرته على الاستمرار؛ وكلما بقيت منصات أكثر، ارتفعت احتمالات تشبع الدفاعات الجوية، لأن أي نظام دفاعي، مهما بلغ تعقيده، ليس ١٠٠٪ في ظل كثافة الرشقات.
وفي الوقت الذي كانت فيه الصواريخ تُرسم في السماء، كانت العواصم الكبرى تُرسل رسائلها. بريطانيا، على سبيل المثال، أعلنت أن طائراتها في الجو ضمن عمليات دفاعية إقليمية منسقة لحماية المصالح والحلفاء، مع التشديد على أنها لم تشارك في الضربات نفسها، في محاولة لتثبيت خطٍ دقيق بين الدفاع” و”الانخراط حتى لا تُسحب إلى قلب المعركة. وفي المقابل، جاءت إدانة روسية حادة وُصفت فيها الضربات بأنها عمل عدواني غير مبرر، بما يعكس أن الأزمة لا تُقرأ عسكرياً فقط بل تُقرأ أيضاً كحلبة تصفية حسابات كبرى في النظام الدولي.
الجانب الأكثر حساسية والأكثر قابلية للانزلاق، هو ما يجري داخل إيران نفسها، لأن بعض التقارير تحدثت عن استهداف رأس الهرم أو محيطه، وعن احتمالات مقتل مسؤولين كبار، مع تضارب واضح في تأكيدات الأطراف. تغطية وكالة أسوشيتد برس ضمن تحديثات اليوم نفسه أشارت إلى أن الضربات بدت كأنها تستهدف المرشد الأعلى علي خامنئي، بالتزامن مع تصريحات للرئيس ترامب يدعو فيها الشعب الإيراني إلى تولي الحكم. وفي الوقت ذاته، نقلت تغطيات أخرى مزاعم عن أعداد قتلى كبيرة ووقائع مروّعة، مثل رواية إصابة مدرسة، لكن كثيراً من هذه التفاصيل بقي غير محقق بشكل مستقل في الساعات الأولى، وهو ما يجعل التعامل معها مهنياً مشروطاً بكلمة واحدة: قيد التحقق، لأن حرب الساعات الأولى تُنتج دائماً فائضاً من الروايات والصدمة والصور غير الموثقة.
ومع ذلك، فإن معنى هذا التطور، ولو وضعنا جانباً الأرقام المتغيرة، واضح أنّ واشنطن وتل أبيب انتقلتا من ضغط تفاوضي إلى فرض واقع بالقوة حين تعذّر الحل الديبلوماسي و فشلت المناقشات الودّية، وطهران نقلت الرد من جبهة واحدة إلى جبهات متعددة، بما فيها استهداف مواقع أميركية في الإقليم. هنا يعود خطاب الرئيس الأمريكي ترامب ليتكرر بعد كل تحديث: تشديد على أن الحملة مستمرة وأنها تهدف إلى شل القدرات الصاروخية والنووية، مع رسالة مزدوجة مفادها أن الولايات المتحدة ستتحمل كلفة قصيرة إذا كانت ستمنع كلفة أطول في المستقبل، وأن تغيير النظام، ولو لم يُعلن كهدف رسمي في القوانين الدولية، صار جزءاً من الإيحاء السياسي للحملة.
أما الحب القاسي كشعار صديق في مقالي هذا، ليس حباً بالمعنى العاطفي، بل إطار سردي اتخذته و اريد من خلاله تقديم الضربة بوصفها علاجاً صادماً لإنقاذ الإقليم بمن فيهم الإيرانيين أنفسهم من نظامٍ يراه خصومه مهووساً بتصدير النفوذ عبر أدوات مسلحة، ومصمماً على تحويل البرنامج النووي والصاروخي إلى مظلة ردع وابتزاز. لكن المشكلة هنا أن العلاج الصادم قد يفتح نزيفاً أعنف إن انزلقت إيران إلى الخيار الذي حذر منه خبراء كثر وهو : توسيع الحرب إلى الملاحة، أو استهداف المصالح الاقتصادية، أو فتح جبهات وكلاء بصورة كاملة، وهي سيناريوهات تحدثت عنها تحليلات سابقة في الإعلام قبل الضربة.
الخلاصة التي تفرض نفسها الآن ليست سؤالاً أخلاقياً عن من على حق بقدر ما هي سؤال عملي عن حدود التصعيد. لأن الحملة بدأت بضربات أميركية/ إسرائيلية، ثم جاء الرد الإيراني بضرب قواعد ومواقع في دول خليجية و شرق اوسطية مجاورة، ثم عاد الرئيس ال٤٥ و ٤٧ بخطابه وتحديثاته ليؤكد استمرار العملية والسعي إلى شل القدرات الصاروخية والنووية، فيما دخلت لندن بخط دفاعي جوي، وموسكو بخط إدانة سياسي، وبقيت المنطقة كلها على حافة سؤال واحد: هل تُترجم هذه الساعات إلى مسار يفرض تراجعاً إيرانياً سريعاً، أم تُترجم إلى حرب تتوسع بسرعة أكبر من قدرة أي طرف على التحكم بها.



