الحرب تعمّق مأساة السودان… وأزمة إنسانية يعجز العالم عن حلّها

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
في السودان، لم تعد الحرب خبراً على هامش نشرات العالم، بل صارت خبراً عن العالم نفسه وهو يعجز. فبينما تتبدّل خرائط السيطرة يوماً بعد يوم، تتسع خريطة الألم بسرعة أكبر: قوافل إغاثة تُستهدف، و مخازن غذاء تُحرق أو تُقصف، وحدود دول الجوار تُغلق تحت ضغط تدفّق البشر والسلاح معاً. وفي لحظة كان يُفترض أن تتقدم فيها الدبلوماسية على صوت البنادق، جاءت الوقائع لتقول إن الحرب هناك لا تكتفي بقتل الناس… بل تُحاصر فكرة إنقاذهم.
لم يأتِ أحدثُ مؤشر على هذا الانهيار من الميدان العسكري وحده، بل من لغة الأرقام الأممية التي بدأت تُشبه صفّارة إنذار لا يسمعها أحد. ففي منتصف فبراير شباط ٢٠٢٦، أطلقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وشركاؤها نداءً لتمويلٍ قدره مليار و ٦٠٠ مليون دولار لدعم نحو ٠٥ ملايين و٩٠٠ ألف شخص من السودانيين واللاجئين ومجتمعات الاستضافة في سبع دول مجاورة حتى نهاية العام، مع توقعات بوصول نحو ٤٧٠ ألف لاجئ جديد خلال ٢٠٢٦.
هذه ليست أزمة لجوء بالمعنى التقليدي، بل إعادة تشكيل ديموغرافي لإقليم كامل. خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين لعام ٢٠٢٦ تُحدِّد الدول السبع المعنية: تشاد، و مصر، و جنوب السودان، و إثيوبيا، و ليبيا،و أوغندا، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وتُقرّ ضمنياً بأن ما يحدث داخل السودان لم يعد قابلاً للاحتواء داخل حدوده.
لكنّ الكارثة لا تتوقف عند النزوح، لأن الحرب بدأت تُهاجم العصب الإنساني مباشرة. ففي ١٩ من فبراير ٢٠٢٦، أفادت تقارير بأن ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت قافلة إغاثة متجهة إلى مناطق في كردفان، ما أدى إلى سقوط قتلى وإصابات بين العاملين على المساعدات، في مشهد يُلخّص مفارقة السودان الجديدة المتمثلة في أن: حتى الطعام بات يحتاج إلى حماية عسكرية قبل أن يصل إلى الأطفال.
ولأن الضربات لا تُصيب القوافل فقط، فإن المخازن نفسها لم تعد ملاذاً آمناً. في ١١ فبراير ٢٠٢٦، تحدثت تقارير عن استهداف مخزن تابع لبرنامج الأغذية العالمي في كادوقلي بجنوب كردفان عبر طائرات مسيّرة، بما تسبب في أضرار وخسائر في الإمدادات المخزنة. الرسالة هنا ليست عسكرية بحتة؛ إنها رسالة تقول للمدنيين إن خطوط النجاة يمكن أن تُقطع، وللمجتمع الدولي إن ما تبقى من حياد إنساني يتآكل.
وعلى الطرف الآخر من البلاد، تبدو دارفور وكأنها تعود إلى أكثر صفحاتها ظلاماً، ولكن بأدوات أكثر حداثة وبلا كوابح. ففي أواخر فبراير ٢٠٢٦، برزت تقارير عن هجمات جديدة ونزوح متجدد في شمال دارفور، بينما انتقلت الأزمة إلى مستوى سياسي دولي مع فرض مجلس الأمن عقوبات على قادة في قوات الدعم السريع على خلفية اتهامات بارتكاب فظائع في دارفور.
وحين يشتعل الداخل، تتوتر الحدود. في ٢٣ فبراير ٢٠٢٦ أعلنت تشاد إغلاق حدودها مع السودان بعد أحداث أمنية وتسلل مقاتلين، في خطوة تعكس أن دول الجوار لم تعد تتعامل مع النزوح بوصفه تحدياً إنسانياً فقط، بل بوصفه خطراً سيادياً أيضاً. وعندما تُغلق الحدود، فإن فاتورة الحرب لا تُدفع بالرصاص وحده… بل تُدفع أيضاً بطرق الهروب التي تُسدّ في وجه المدنيين.
وفي قلب هذا المشهد المتدهور، تطفو طبقة أخرى تزيد الأزمة تعقيداً وهي: التصدعات داخل قوات الدعم السريع نفسها. الانقسامات، حين تخرج إلى العلن، لا تعني تلقائياً نهاية القتال؛ بل تعني أحياناً العكس تماماً المتمثل في: انفلات أكبر، وقيادات ميدانية تعمل بمنطق الموارد والولاءات المحلية، وحرباً تتشظى إلى حروب صغيرة داخل الحرب الكبيرة. لهذا تبدو معادلة وقف إطلاق النار أكثر هشاشة مما تبدو على الورق: من يوقّع؟ ومن يضمن التنفيذ؟ ومن يملك حقاً القرار على الأرض؟
وإذا كان العالم يملك لغةً واحدة ثابتة للسودان، القلق والدعوة والنداءات، فإن الواقع يقول إن الأزمة تتغذى على فجوتين قاتلتين هما: فجوة أمنية تمنع الوصول، وفجوة تمويل تُفقر الاستجابة. نداء المليار ٦٠٠ مليون دولار لا يطلب الرفاه، بل يطلب الحد الأدنى لمنع انهيار حياة ملايين اللاجئين والنازحين ومجتمعات الاستضافة التي بدأت هي الأخرى تُستنزف.
هكذا تتضح الصورة المؤلمة: حرب بدأت كصراع على السلطة في أبريل نيسان ٢٠٢٣ تحولت إلى ماكينة تقطع أوصال البلاد، وتنقل كلفتها إلى سبع دول مجاورة وإلى نظام إنساني دولي يعترف بصراحة أنه لا يملك ما يكفي. وبين طائرة مسيّرة تضرب قافلة غذاء، ونداء تمويلٍ لا يجد من يسمعه، يصبح السودان مثالاً صارخاً على أزمة إنسانية لا يعجز العالم عن فهمها… بل يعجز عن إنهائها. المقال ٩٦: زينة بلقاسم



