العالم يقترب من أخطر اختبار في تاريخه، فهل تعيد الحرب الإيرانية الأمريكية إنتاج ازمة صواريخ كوبا النووية؟

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم، تمديد الهدنة مع إيران في محاولة لفتح نافذة تفاهم عبر مسار إسلام آباد، في لحظة بدت وكأن العالم يحبس أنفاسه على حافة انفجار محتمل. غير أن هذا الإعلان، رغم ما يحمله ظاهريًا من تهدئة، جاء محاطًا بإشارات مقلقة؛ إذ لم يتوجه المسؤولون الأمريكيون بعد إلى باكستان، وسط تعثر واضح في الترتيبات التفاوضية، وتباين في مواقف الأطراف حول شروط اللقاء. وهنا تحديدًا يتبدى التناقض الصارخ: هدنة تُمدَّد، لكن الثقة تتآكل، والوقت يمضي أسرع من قدرة الدبلوماسية على اللحاق به.

وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة التهدئة بمعزل عن المشهد العسكري المتصاعد، حيث تشير تقارير الصحف العالمية وتحليلات مراكز الدراسات الاستراتيجية إلى أن الحشود الأمريكية في المنطقة تجاوزت مرحلة الردع الرمزي، لتقترب من التموضع العملياتي الكامل. فانتشار حاملات الطائرات، وتحركات القاذفات بعيدة المدى، وإعادة توزيع القطع البحرية، كلها مؤشرات تُستخدم في الأدبيات الدفاعية للدلالة على أن الخيارات لم تعد نظرية، بل أصبحت جاهزة للتنفيذ عند صدور القرار السياسي. وفي المقابل، تبدو إيران وكأنها تتبنى استراتيجية “الضغط المحسوب”، ملوحة بالقدرة على الرد دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، في محاولة للحفاظ على توازن دقيق بين الردع وتفادي الحرب المفتوحة.

لكن، ومع هذا التصعيد الميداني، يعود السؤال الملح: هل تمديد الهدنة خطوة نحو السلام أم مجرد شراء للوقت؟ هنا تتقاطع التحليلات السياسية مع التسريبات الدبلوماسية التي تتحدث عن محاولات لفتح قنوات تفاوض غير معلنة، حيث يُنظر إلى مسار إسلام آباد كخيار بديل عن المواجهة المباشرة، يسمح للأطراف بالتفاوض بعيدًا عن الضغوط الإعلامية. ومع ذلك، فإن تعثر هذا المسار، سواء بسبب حسابات داخلية أو تباينات استراتيجية، يعيد الأزمة إلى نقطة أكثر هشاشة، حيث يصبح الزمن عامل ضغط إضافي بدل أن يكون مساحة للحل.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، يبدأ شبح التاريخ في الظهور. إذ لم يتأخر المحللون في استدعاء مقارنة الأزمة الحالية بأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، ليس من باب التماثل الحرفي، بل لأن البنية العميقة للأزمة تبدو متشابهة: تصعيد سريع، رسائل ردع متبادلة، وحافة ضيقة تفصل بين الضغط السياسي والانفجار العسكري. ومع ذلك، فإن الفارق اليوم أكثر خطورة؛ فالعالم لم يعد ثنائي القطبية، بل أصبح ساحة معقدة تتداخل فيها مصالح قوى متعددة، ما يجعل احتمالات الخطأ أو سوء التقدير أكبر بكثير مما كانت عليه في ذروة الحرب الباردة.

وفي ظل هذا التعقيد، تتخذ مواقف القوى الكبرى طابعًا أكثر حذرًا. فروسيا والصين، وفق قراءات جيوسياسية متقاطعة، تسعيان إلى احتواء الأزمة دون الانخراط المباشر فيها، إذ ترفضان توسع النفوذ الأمريكي، لكنهما في الوقت ذاته لا ترغبان في مواجهة مفتوحة قد تعيد تشكيل النظام الدولي بشكل غير محسوب. هذا التوازن الدقيق يضعهما في موقع “الفاعل من الخلف”، حيث تمارس الضغوط السياسية والدبلوماسية دون أن تتحمل كلفة التصعيد العسكري المباشر، وهو ما يزيد من ضبابية المشهد بدل أن يبدده.

ومع تراكم هذه العوامل، يبرز مفهوم “نقطة اللاعودة” كأحد أكثر المفاهيم إثارة للقلق في التحليل العسكري. وهي اللحظة التي يصبح فيها التراجع أكثر كلفة من التصعيد، فتتحول الأزمة من خيار إلى مسار مفروض. وحتى الآن، لا تشير المؤشرات إلى أن الأطراف وصلت إلى هذه النقطة، لكن اقترابها منها بات واضحًا، خصوصًا مع استمرار الحشد العسكري وتراجع فرص التفاهم السريع. وهنا تكمن خطورة اللحظة: ليس في ما حدث، بل في ما يمكن أن يحدث إذا أسيء تقدير الخطوة التالية.

وفي النهاية، وبين هذا التشابك المعقد من التصعيد والتهدئة، من الضغط والمساومة، يبدو أن العالم يقف أمام اختبار يشبه في خطورته لحظات تاريخية مفصلية، لكنه يختلف عنها في تعقيده. صحيح أن الحديث عن “نهاية البشرية” يبقى في إطار التهويل أكثر منه في إطار التحليل الواقعي، إلا أن تجاهل مستوى الخطر سيكون خطأ لا يقل فداحة. فالتاريخ يعلّمنا أن أخطر الأزمات ليست تلك التي تُعلن نواياها بوضوح، بل تلك التي تنزلق إليها الأطراف تدريجيًا، خطوة بعد أخرى، حتى تجد نفسها أمام واقع لم تكن تنوي الوصول إليه.

وهكذا، تبقى الحقيقة الأكثر إلحاحًا أن العالم، رغم كل شيء، لم يفقد بعد فرصته في تجنب الهاوية. لكن هذه الفرصة، كما يبدو، تضيق مع كل ساعة تمر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى