بوادر تحوّل التحالفات الدولية في ظل الحرب المعقدة و مخاض نظام عالمي جديد

نيويورك – زينة بلقاسم – عين اخبار الوطن
في خضم التصعيد العسكري والسياسي المرتبط بالتوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى منذ مطلع عام 2026، لم تعد الحرب حدثًا عسكريًا معزولًا، بل تحولت إلى نقطة ارتكاز لإعادة تشكيل النظام الدولي. فمع تداخل العمليات العسكرية مع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وارتفاع وتيرة الضغوط الاقتصادية، وتقلب الأسواق العالمية، بدأت تظهر مؤشرات واضحة على أن العالم يمر بمرحلة مخاض استراتيجي قد ينتهي بولادة نظام تحالفات جديد، لكن بثمن مرتفع ومؤلم لجميع الأطراف.
فمن الناحية الاقتصادية، انعكست الحرب بسرعة على أسواق الطاقة، حيث قفزت أسعار النفط في فترات التوتر إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، نتيجة المخاوف من اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي. ولم يقتصر التأثير على الطاقة، بل امتد إلى العملات والأسواق المالية، حيث شهدت الأسواق الناشئة تذبذبات حادة، مع تراجع عملات بعض الدول بنسبة تراوحت بين 5% و12% خلال أسابيع قليلة، في حين ارتفعت أسعار الغذاء عالميًا بنسبة تقارب 8% وفق تقديرات أولية لهيئات اقتصادية، نتيجة اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
وفي موازاة ذلك، أدى الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، سواء في تحليل البيانات أو توجيه الأنظمة القتالية، إلى تسريع وتيرة الحرب وتعقيدها، ما جعل القرارات أكثر حساسية وأسرع تأثيرًا، وأضعف القدرة على التحكم في التصعيد. وقد أشار خبراء في مراكز مثل RAND و CSIS إلى أن إدماج الذكاء الاصطناعي في النزاعات الحديثة يقلل من زمن القرار، ما يزيد من احتمالات الأخطاء الاستراتيجية ويضاعف المخاطر الجيوسياسية.
غير أن الأثر الأعمق للحرب لا يكمن في هذه المؤشرات المباشرة، بل في التحولات التي بدأت تظهر داخل بنية التحالفات الدولية. فمن جهة، تواجه الولايات المتحدة تحديًا في الحفاظ على تماسك تحالفاتها التقليدية، حيث أظهرت بعض الدول الأوروبية ترددًا في الانخراط الكامل في التصعيد، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية وارتفاع تكاليف الطاقة. وتشير بيانات استطلاعات رأي أوروبية إلى تراجع دعم الرأي العام لأي تصعيد عسكري جديد بنسبة تتراوح بين 10% و20% مقارنة بعام 2022، ما يضع الحكومات أمام معادلة صعبة بين الالتزامات الدولية والاستقرار الداخلي.
وفي المقابل، عززت هذه الحرب من تقارب قوى أخرى، حيث اتجهت دول مثل الصين وروسيا إلى تنسيق مواقفها بشكل أكبر في مواجهة الضغوط الغربية، سواء عبر التعاون الاقتصادي أو التنسيق السياسي في المحافل الدولية. كما برزت قوى إقليمية، مثل تركيا ودول الخليج، في موقع أكثر استقلالية، حيث سعت إلى تحقيق توازن دقيق بين الأطراف، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي لتحقيق مكاسب اقتصادية أو سياسية. فعلى سبيل المثال، استفادت بعض الدول المصدرة للطاقة من ارتفاع الأسعار، محققة زيادة في الإيرادات قد تصل إلى 15 و تصل إلى 25% خلال فترات الذروة، بينما تحملت دول مستوردة عبئًا إضافيًا أدى إلى اتساع عجز الميزانيات.
ومن جهة أخرى، كشفت الحرب عن تصدعات داخلية في عدد من الدول، حيث أدت الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار إلى احتجاجات أو تراجع في شعبية بعض القادة. وتشير تقارير سياسية إلى أن نسب التأييد لبعض الحكومات شهدت انخفاضًا ملحوظًا، في حين ارتفعت أصوات المعارضة المطالبة بتجنب الانخراط في صراعات خارجية. وهذا البعد الداخلي أصبح عنصرًا مؤثرًا في إعادة تشكيل السياسات الخارجية، حيث لم تعد التحالفات تُبنى فقط على المصالح الاستراتيجية، بل أيضًا على قدرة الأنظمة على تحمّل الضغوط الداخلية.
وفي هذا السياق، برزت أيضًا تحولات في طبيعة التفاهمات الدولية، حيث لم تعد التحالفات ثابتة أو طويلة الأمد كما في حقبة الحرب الباردة، بل أصبحت أكثر مرونة وتكتيكية. فقد نرى دولة تتعاون مع طرف في ملف معين، بينما تختلف معه في ملف آخر، وهو ما يعكس انتقال النظام الدولي من ثنائية أو أحادية القطبية إلى حالة من التعددية المرنة. كما أن بعض الدول بدأت تنتهج سياسات الحياد النشط، محاولة الاستفادة من جميع الأطراف دون الانخراط الكامل في أي محور.
غير أن هذا التحول لا يخلو من مخاطر، إذ إن غياب التحالفات الصلبة قد يؤدي إلى زيادة حالة عدم اليقين، ما ينعكس على الأسواق والاستثمارات. وقد أشار صندوق النقد الدولي في تقارير سابقة إلى أن ارتفاع مستوى عدم اليقين الجيوسياسي يمكن أن يخفض النمو العالمي بما يصل إلى 0.5 إلى 1 نقطة مئوية سنويًا، وهو ما يعني أن استمرار هذه التوترات قد يترك أثرًا طويل الأمد على الاقتصاد العالمي.
وبالانتقال إلى البعد الاستراتيجي الأوسع، يمكن القول إن ما نشهده اليوم هو مرحلة انتقالية، حيث لم تتشكل بعد ملامح النظام الجديد، لكن المؤشرات تدل على تراجع القدرة على فرض هيمنة أحادية، مقابل صعود نماذج متعددة من النفوذ. وهذا ما يفسر ظهور تحالفات جزئية، وانشقاقات داخلية، وإعادة تموضع مستمرة للدول وفقًا لمصالحها الآنية.
وفي ضوء ذلك، تبدو هذه الحرب، بما تحمله من تعقيد وتشابك، أشبه بعملية ولادة قيصرية للنظام الدولي، حيث تتطلب تدخلات مكثفة وتحمّل كلفة عالية، سواء من حيث الموارد أو الاستقرار. غير أن هذا المخاض قد لا يؤدي إلى نظام أكثر استقرارًا بالضرورة، بل ربما إلى عالم أكثر تنافسية وتذبذبًا، حيث تتعايش فيه قوى متعددة دون وجود مركز واضح للقيادة.
وبالتالي، فإن التحولات الجارية في التحالفات الدولية ليست مجرد نتيجة للحرب، بل هي جزء من مسار أعمق يعكس إعادة تشكيل موازين القوة في القرن الحادي والعشرين. وما سيحدد مآل هذه التحولات ليس فقط نتائج الصراع الحالي، بل أيضًا قدرة الدول على التكيّف مع بيئة دولية تتسم بعدم اليقين، والتنافس التكنولوجي، والضغوط الاقتصادية المتزايدة. وفي هذا الإطار، قد تكون الكلفة الكبرى لهذه المرحلة ليست في الخسائر المباشرة، بل في إعادة تعريف قواعد اللعبة الدولية، وهو ما سيؤثر على مستقبل العلاقات بين الدول لعقود قادمة.



