الامن لن يكون مجانيا

الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي
نيويورك – خاص – زينة بلقاسم –
لم تنتفض واشنطن فجأة في وجه أوروبا من فراغ، بل أعادت فتح ملف قديم عمره تقريبًا عمر حلف شمال الأطلسي نفسه: من يدفع كلفة الأمن الأوروبي؟ منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي كانت مساهمة الولايات المتحدة في إنفاق الدفاع داخل الحلف تتجاوز ٧٠٪ وفق قراءات تاريخية لنقاش تقاسم الأعباء, ومع كل عقد كانت واشنطن تعود لتذكّر الأوروبيين بأن مظلة الحماية ليست شيكًا مفتوحًا. اليوم عادت هذه الحجة بقوة لأن العالم تغيّر؛ بوجود منافسة مع الصين، و حرب روسيا على أوكرانيا، وسباق تسلح عالمي وصل فيه الإنفاق العسكري إلى نحو ٢٧١٨ مليار دولار سنة ٢٠٢٤ بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. وفي قلب هذه التحولات، تقول واشنطن إن أوروبا استفادت لعقود من عائد السلام؛ رفاه اجتماعي أعلى، وإنفاق دفاعي أقل، بينما بقيت الولايات المتحدة تتحمل الجزء الأثقل من الردع الاستراتيجي، والاستخبارات، والقدرات الجوية والبحرية، والبنية القيادية للحلف.
و من منظور جيوإستراتيجي أميركي، المشكلة ليست في “النسب” وحدها بل في الفجوة النوعية: أوروبا قد تزيد إنفاقها، لكنها تظل معتمدة على واشنطن في مجالات حساسة مثل الدفاع الجوي والصاروخي، الاستطلاع الفضائي، و قدرات النقل الاستراتيجي، والقيادة والسيطرة. تشير تقارير مراكز بحثية مثل مؤسسة “راند” إلى أن الولايات المتحدة تتحمل قرابة نصف عبء الدفاع الجماعي في تقديرات مؤشر تقاسم الأعباء، حتى عندما تكون لدى الحلفاء أعداد أكبر من القوات البرية. وفي الوقت الذي تحاول فيه دول أوروبية رفع الإنفاق، تُظهر بيانات البنك الدولي أن متوسط الإنفاق العسكري في الاتحاد الأوروبي كان قرابة ١،٩٪ من الناتج في ٢٠٢٤، أي أقل من عتبة ٢٪ التي تحوّلت داخل الحلف إلى معيار سياسي للجدّية منذ قمة ويلز لسنة ٢٠١٤. صحيح أن الحلف أعلن أنه في ٢٠٢٥ يُتوقع أن يحقق جميع الحلفاء هدف ٢٪, لكن واشنطن تجادل بأن الوصول إلى النسبة لا يعني تلقائيًا امتلاك القدرات، ولا حل اختناقات الصناعة الدفاعية والذخائر وسلاسل التوريد.
ثم جاءت أوكرانيا لتضغط على المعادلة كما لم يحدث منذ نهاية الحرب الباردة. افلحرب استنزفت مخزونات الذخيرة الأوروبية، ورفعت كلفة الطاقة، وكشفت بطء القرار الدفاعي في بعض العواصم. وفي لغة المال الصريح: حيث خصص الكونغرس الأميركي قرابة ١٧٤ مليار دولار في اعتمادات إضافية مرتبطة بأوكرانيا حتى بدايات ٢٠٢٥ وفق خدمة أبحاث الكونغرس. وعلى جانب الدعم الأوروبي، تُظهر قاعدة بيانات “متتبع دعم أوكرانيا” التابعة لمعهد كيل أن عام ٢٠٢٥ شهد مستويات منخفضة من التخصيصات الجديدة مقارنة بسنوات الحرب الأولى، ما غذّى داخل واشنطن فكرة أن العبء لا يزال غير موزع بصورة مستقرة. هنا تتبلور سردية أميركية تقول: انه “لا يمكن لأوروبا أن تطلب من الناخب الأميركي تمويل حرب طويلة، وتحمّل مظلة ردع، ثم تبقي جزءًا كبيرًا من مواردها خارج الدفاع بحجة الرفاه الداخلي”.
هذه ليست نظرية فقط؛ بل بدأت تظهر كسياسات. و يتزايد الميل في واشنطن، إلى إعادة تموضع يخفف الانخراط الأميركي التفصيلي داخل بعض هياكل الحلف، أو يربط الالتزامات بمستوى مساهمة الحلفاء. تحدثت تقارير صحفية حديثة عن خطوات في البنتاغون لتقليص المشاركة الأميركية في مجموعات استشارية داخل الحلف كإشارة سياسية وعسكرية على أن الزمن تغيّر. وفي المقابل، يقرأ الأوروبيون ذلك كإنذار: إذا كانت الولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها، فأوروبا إما أن تدفع كلفة استقلال دفاعي أكبر، أو أن تقبل بشروط أميركية أشد في تقاسم الأعباء، أو أن تواجه فراغًا استراتيجيًا تدريجيًا. و هذا الفراغ ليس رخيصًا: حيث قدّر تقرير للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن تقليل الاعتماد على القدرات الأميركية، أو الاستعداد لسيناريو دفاع أوروبي من دون الولايات المتحدة، قد يتطلب سنوات طويلة واستثمارات ضخمة في المال والصناعة الدفاعية.
و بالتالي نستخلص أن انتفاضة واشنطن ليست نزوة دبلوماسية، بل إعادة تعريف للعقد الأمني عبر الأطلسي ف: إما أوروبا تُحوّل جزءًا من رفاهها إلى قوة ردع ذاتية قابلة للتشغيل، أو تبقى شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة مشروطة وأكثر كلفة سياسيًا. وفي عالم ترتفع فيه التهديدات وتتشابك الجبهات، لم يعد السؤال: هل تستطيع أوروبا دفع ثمن أمنها؟ بل: ما ثمن الاستمرار في عدم دفعه ؟ ومن سيدفع الفاتورة عندما تتغير أولويات واشنطن مرة أخرى؟



