الحرب الروسية الاوكرانية-النصر الروسي قد يأتي من بوابة تفكك الناتو والاتحاد الاوروبي ايضا:

 

أ د / دحان النجار

الانتصار او الخسارة في الحروب لا ياتي فقط من ميدان المعارك العسكرية على جبهات القتال ، بل قد ياتي من خلال جبهة الانهيار الاقتصادي او السياسي لاحد اطرافها وهي الجبهة الأكثر خطورة والأكثر فعالية في تغيير مجريات الحروب وإفراز أنظمة حكم محلي جديدة ومنظومات اقليمية ودولية مخالفة لما قبلها.

كان الاحتمال الأكثر تًرجيحا في الغرب بان العقوبات السياسية والاقتصادية المتعددة الجوانب ضد روسيا بالإضافة الى استنزاف قواتها وقدراتها العسكرية في المستنقع الاوكراني سوف تقود إلى غليان شعبي داخلي يرافقه تمرد في الجيش الروسي وهنا تحدث النقطة الفارقة في الحرب لصالح أوكرانيا والناتو ، وبالفعل كانت المؤشرات تدل على بداية حدوث التصدع الداخلي وأكبر دليل على ذلك تمرد قوات ” فاغنر” في يونيو ٢٠٢٣ م والتي تضامن معها قادة عسكريون كبار لكن القيادة الروسية تمكنت من احتواء الأزمة والحفاظ على التلاحم الداخلي ولو بحده الادنى.
وكما اُشير في مقالات سابقة بان من اهم عناصر انتصار الروس في كثير من معاركهم الإ ستراتيجية عبر التاريخ هو قدرتهم على تحمل الخسائر والاستمرارية فيها لفترات طويلة الأمر الذي يقود الى انهيارات في الطرف الاخر تقود إلى نصرا مؤزرا في نهاية المطاف ، ومثال على ذلك حربي نابليون ١٨١٢ م وهتلر ١٩٤١م ضدهم على سبيل المثال اللتان منيو بهما بالهزيمة في البداية لكنهم استعادوا انفاسهم وتمكنوا من اسقاط باريس وبرلين في نهاية المطاف.
الحرب الروسية الأوروبية الحالية في أوكرانيا والتي هي في نهاية عامها الثالث يبدو بان موازينها بدأت تنقلب لصالح روسيا وبدأت التناقضات تحتدم داخل الناتو نفسه ما يشير الى بداية تصدعه او على الاقل اضعافه في المرحلة الراهنة، والحديث عن تفكك حلف “الناتو” ليس جديدا لكنه اصبح اكثر حدةً مع مطلع العام ٢٠٢٦ م نتيجة لاحتدام أزمات سياسية واقتصادية وجيوسياسية بشكل غير مسبوق ، ومن مؤشرات تصدعة نورد التالي:
1. تصاعد الأزمة مع ادارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث تعد سياسة ادارته تجاه الحلف بمثابة زلزالاً قويا يهدد بقائة، حيث تلمح الولايات المتحدة إلى عدم دفاعها عن الدول التي لا تلتزم برفع انفاقها الدفاعي إلى المستوى المطلوب منها الأمر الذي يهدد مبداء الدفاع الجماعي حسب المادة الخامسة من ميثاق الحلف.
ويضيف النزاع حول ” جرينلاند” بين واشنطن والدنمارك ومحاولة الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو مساندة الدنمارك وتهديد الولايات المتحدة لهم بفرض تعريفات جمركية عقابية عليهم ومطالبة بعض الدول الأوروبية مثل المانيا بسحب القواعد الأمريكية منها الى زعزعة وضع الحلف بشكل خطير ، أضف الى ذلك تقليص واشنطن لموظيفها في مقر الحلف الأمر
الذي يشير إلى اضعاف بنيته المؤسسية.
٢.يعي أوروبا إلى تحقيق استقلالها الاستراتيجي حيث بدأت المانيا وفرنسا بوقت مبكر بالحديث عن بدائل للناتو من خلال تشكيل القوة الأوروبية الموحدة وتفعيل الدفاع الأوروبي المشترك والابتعاد عن الارادة الأمريكية المهيمنة في الحلف ، وزاد تصدع الموقف الأوروبي تجاه الحرب ضد روسيا في أوكرانيا من إضعاف الحلف ، حيث تصر دول شرق أوروبا الأعضاء في الحلف على ضرورة مواجهة روسيا في الوقت نفسه دول غرب أوروبا تميل إلى تهدئة الأوضاع وتخفيف الاعباء الاقتصادية الناتجة عن مقاطعة روسيا.
٣.الغجوة الاقتصادية وعبء الانفاق الدفاعي يعد أحد مؤشرات اهتزاز الناتو ، حيث تطالب الادارة الأمريكية الحلفاء برفع الانفاق العسكري إلى ٥٪؜ من الناتج المحلي الإجمالي وهو رقم كبير خارج القدرات الأوروبية التي تعاني اقتصادياتها من تراجع معدلات النمو ، اما الحرب التجارية بين أوروبا والولايات المتحدة المتمثلة بالخلافات الجمركية فقد طغت على الجانب الامني واثرت عليه سلبا .
٤.هناك خلل هيكلي في الحلف وسياسة داخلية غير منسجمة ، حيث صعدت احزاب في بلدان مثل المانيا وفرنسا تعارض الانخراط العسكري في الحلف وتطالب بالخروج منه ، بالإضافة إلى التوسع المفرط للحلف باتجاه الشرق والذي تكلل بضم السويد وفنلندا الذي يزيد من اعباء المواجهة وتعقيد عملية اتخاذ القرارات بالإجماع .
٥.ويشكل بروز بدائل دولية مستحدثة مثل “مجلس السلام” الذي شكله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من خارج الحلف لحل الصراعات الدولية وبمشاركة روسيا عاملا مهما في اضعافه وتحويله إلى مؤسسة ثانوية، ويضيف تململ بعض الدول الأعضاء من الاعتماد على الدولار الأمريكي عاملا اخراً لاضعاف الروابط المالية التي كانت تدعم الوحدة العسكرية
في اطار الحلف.
وبالرغم من هذا المؤشرات ، بعض الخبراء والمحللين السياسيين ان القصور الذاتي المؤسسي والعداء المشترك لروسيا والصين وايران وبعض القوى الدولية قد يمنعان انهيار الحلف وقد يتحول إلى شكل جديد اقل مركزية والى اتفاقيات ثنائية تتلائم والأوضاع الجديدة.
واما الحديث عن انهيار الاتحاد الاوروبي ، فقد اصبح امرا ملحوظا يُناقش على مستوى مختلف الاطر تفرضه التحديات البنيوية والجيوسياسية العميقة،وبالرغم من إظهاره قدرا من التماسك في مواجهة الضغوطات الأمريكية إلا ان هناك تناقضات داخلية تنذر بخطر وجودي ومن اهمها:
١.صعود التيارات القومية الشعبوية المتمثلة باليمين المتطرف مثل حزب البديل في المانيا والتجمع الوطني في فرنسا والتي بدأت تؤثر في جوهر القرارات الأوروبية الأمر الذي سيقود الى تعطيل القوانين المشتركة والتفكك الداخلي كما هو الحال مع دولة المجر ، ففي فرنسا تزايدت المؤشرات على تآكل التحالفات التقليدية التي كانت تصد وصول المتطرفين اليمينيين الى السلطة الأمر الذي يهدد قيادة فرنسا للاتحاد .
٢.اما التوترات الجيوسياسية ولا سيما مع واشنطن حول “جرينلاند “وما ارتبط بها من اجرءات وضغوط فقد احدثت ردود فعل غاضبة واتجاه بعض الدول إلى الاستقلال الاستراتيجي ممثلا بفرنسا، بينما تخشى دول اخرى مثل إيطاليا وبولندا من خسارة الحماية الأمريكية وهو امر يساعد على تعميق الانقسام الأوروبي ويقود إلى اضعاف الاتحاد.
٣.الازمة الاقتصادية في دول الاتحاد وبالذات في الاقتصاد الالماني المحرك الأساسي لاقتصاد الاتحاد المتمثل بالركود الصناعي المستمر وفشل التحول في الطاقة السريع الامر الذي يقلل من قدرة المانيا على تمويل صناديق الدعم الأوروبية ، وازمة الديون والخلافات حول ميزانية الاتحاد ( ٢٠٢٨-٢٠٣٤)حيث ترفض الدول الغنية زيادة مساهماتها ، بينما تحتاج الدول المتضرررة من الحرب في أوكرانيا وازمة الطاقة التي تسببت بها مقاطعة الغاز والنفط الروسيين الى مزيد من الدعم كل ذلك يؤشر الى ترنح الاتحاد الاوروبي.
٤.التباين في ملفي الحرب في أوكرانيا والهجرة يمثلان أحد مظاهر اضعاف الاتحاد ، حيث بدأت تظهر انقسامات حادة حول الدعم العسكري لأوكرانيا وبدأت تيارات تطالب بتقديم التسوية السياسية على الاستمرار في الحرب وترفضه بعض الدول وبالذات دول البلطيق وبولندا، اما الهجرة فقد تحولت إلى اداة لزعزعة الاستقرار السياسي في الاتحاد حيث تتجه معظم الدول الأعضاء إلى تشديد الشروط وإغلاق حدودها الوطنية الامر الذي يهدد اتفاقية ” شنغن” لحرية التنقل التي تعد احد اهم ركائز الاتحاد.
لكن الخطر الرئيسي يكمن في شلل مؤسسات الاتحاد التي تبقيه قائما رسميا لكنه عاجزا عن اتخاذ اي قرارات استراتيجية مهمة بسبب “الفيتو المتبادل” بين الحكومات القومية.
بالرغم من كل ما سبق من رصد لمؤشرات ترنح وتحلل حلف الناتو والاتحاد الأوروبي لا تزال هناك فرص لمعالجة أوضاعهما الداخلية إذا تمكنا من الصمود خلال الخمس السنوات القادمة حتى يتشكل الوضع الدولي الجديد ويفرز معطيات جديدة قد تساعد على إعادة ترميمها وتجاوز الأزمات الحالية وتغيير اولويات السياسة الأمريكية في ظل ادارة قادمة قد تختلف عن الادارة الحالية او تهاويهما بشكل نهائي وظهور بدائل تناسب الزمان والمكان، العالم يمر بمخاضات جوهرية لابد وان تقود إلى ترتيبات دولية جديدة ليس في اوروبا وشمال الاطلنطي فقط بل وفي كل العالم.
واي تراجع او انهيار قد يصيب الناتو والاتحاد الاوروبي تظل روسيا هي الكاسب الاكبر ، ويظل السؤال الاهم مطروحا على الطاولة ، هل الولايات المتحدة الأمريكية على استعداد للتضحية بحلفائها الأوروبيين لصالح روسيا بشكل تام ام ان هناك صفقات متبادلة وتغيير في التكتيك ؟ الإجابة على هذا التساؤل ليست ببعيدة وسوف نشهدها قريبا .
د/ دحان النجار مشيجان ٢٦ يناير ٢٠٢٦م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى