الصين تعيد ترتيب جيشها… والولاء في الميزان

Rashad Alkhader

 

نيويورك – رشادالخضر – ألأمم المتحدة

في الأيام الأخيرة عاد ملف تطهير المؤسسة العسكرية الصينية إلى صدارة المشهد، لكن هذه المرة بجرعة أعلى من المعتاد، لأن الحديث يدور عن تحقيقات تمسّ طبقات شديدة القرب من مركز القرار، وهو ما يمنح القصة وزنًا سياسيًا وأمنيًا معًا. فحين تُفتح ملفات الانضباط والفساد عند مستويات عليا داخل جيش التحرير الشعبي، لا يكون الأمر خبرًا إداريًا بقدر ما هو مؤشر على أن بكين تريد إعادة شدّ القبضة على مفاصل القوة في لحظة دولية مضطربة، وتريد في الوقت نفسه توجيه رسالة إلى الداخل والخارج بأن معيار الثقة لا يُقاس بالرتب ولا بالسيرة القتالية وحدها، بل بصلابة الولاء وانعدام قابلية المؤسسة للتشقق عبر شبكات المصالح.

ومن هنا يبرز اسم الجنرال “تشانغ يوشيا” بوصفه محورًا مثيرًا للانتباه في التداولات الإعلامية، ليس فقط لأنه يُنظر إليه كأحد أبرز الوجوه العسكرية ذات الثقل داخل هرم القيادة، بل لأن الاتهامات المتداولة حوله، بين فسادٍ مالي ورشى مرتبطة بالترقيات وبناء نفوذ داخل دوائر القرار، وصولًا إلى شبهة تسريب معلومات حساسة تمس قدرات استراتيجية، تضع القضية في خانة غير العادية. فالفساد في المؤسسة العسكرية الصينية ليس جديدًا، لكن الوصول إلى أسماء في القمة يجعل المسألة أقرب إلى اختبارٍ واسع لوحدة المؤسسة وقدرة الحزب على منع تكوّن مراكز نفوذ موازية أو شبكات ولاء داخل الجيش يمكن أن تُضعف مبدأ قيادة الحزب المطلقة للجيش.

وبينما يبدو الحدث الأخير صادمًا في توقيته، فإن سياقه التاريخي يوضح أن الصين لا تنظر إلى التطهير العسكري كإجراء طارئ، بل كأداة متكررة لإعادة ترتيب البيت الداخلي كلما اقتضت المرحلة. لذلك، يصبح الانتقال من قصة الجنرال المتهم إلى سلسلة التطهير طبيعيًا؛ إذ شهدت السنوات القليلة الماضية إجراءات قاسية طالت ضباطًا كبارًا، واتخذت شكل الإقالات والطرد والتحقيقات في قضايا الكسب غير المشروع والصفقات والرشاوى، وهي قضايا غالبًا ما تتمحور حول بوابتين: بوابة الترقيات وبوابة المشتريات العسكرية. ومع تراكم هذه الملفات، لم تعد الحملة تُقرأ فقط بوصفها سعيًا لتقليل الفساد المالي، بل بوصفها عملية تفكيك منهجية للشبكات التي يمكن أن تتحول، بمرور الزمن، إلى نفوذ مستقل داخل مؤسسة تُعد الأكثر حساسية في الدولة.

وبالتوازي مع ذلك، تتخذ القصة بعدًا إقليميًا واضحًا، لأن أي تغيير في قمة الهرم العسكري الصيني لا يمر مرور الكرام في تايوان. فتايبيه تراقب بدقة ما تعتبره تحولات غير طبيعية في تركيبة القيادة العسكرية والسياسية في بكين، ليس لأن الاستراتيجية الصينية تجاه تايوان تتبدل بين ليلة وضحاها، بل لأن هوية القادة في مسارح العمليات، وطبيعة شبكة القرار في اللجنة العسكرية المركزية، يمكن أن ينعكسا على الإيقاع واللغة ومستوى المخاطرة في التعامل مع ملفات حساسة. وهكذا يصبح التطهير، حتى لو كان داخليًا في جوهره، جزءًا من حسابات الردع وإشارات القوة في محيط متوتر أصلًا.

ومع اتساع الصورة، يصبح من المفيد فهم أن الفساد في الحالة الصينية يتداخل كثيرًا مع السياسة. فالترقيات ليست مجرد سلم وظيفي في مؤسسة ضخمة، بل قد تتحول إلى عملة لبناء الولاءات، والمناصب قد تتكئ على شبكات المصالح، ومعها يصبح الفساد المالي بوابة لفسادٍ أخطر: فساد القرار. ولهذا السبب، عندما تتحدث بكين عن تشكيل التكتلات أو تقويض وحدة الحزب أو إساءة استخدام مواقع صنع القرار، فهي لا تكتفي بإدانة الرشى، بل تُدان ضمنًا فكرة نشوء مراكز قوة يمكن أن تربك القيادة المركزية، أو تمنح أفرادًا قدرة على التأثير خارج القنوات الرسمية التي يريدها الحزب.

ولكي يتضح ثقل هذه المقاربة، يكفي النظر إلى الطريقة التي تعاملت بها الصين تاريخيًا مع أي احتمال انفصال بين الجيش والحزب. فالجذر الفكري للنظام يقوم على أن الجيش هو جيش الحزب أولًا، وأن الانضباط السياسي جزء من الجاهزية العسكرية. وهذه ليست فكرة معاصرة فحسب؛ بل هي امتداد لميراث طويل يرى أن الدولة القوية تحتاج إلى مركز قرار واحد، وأن السماح بتعدد المراكز داخل المؤسسة العسكرية قد يفتح الباب لصراعات تُدار بالرتبة لا بالمؤسسات. لذلك، عندما تهتز الثقة في قمة الهرم، تتعامل بكين مع الأمر باعتباره شأن أمن قومي، لأن خللًا واحدًا في قمة القرار العسكري قد يُترجم إلى ارتباك في إدارة الأزمات أو إلى ثغرة في منظومة الردع.

وإذا رجعنا إلى التاريخ الأبعد، نلاحظ أن الصين عرفت التطهير بأشكال مختلفة عبر العقود، وإن تغيّرت اللغة بين مرحلة وأخرى. ففي مراحل سابقة كان الإقصاء يتم تحت عناوين الخلاف السياسي أو الانحراف الفكري، ثم دخلت البلاد حقبة أصبحت فيها الانضباط الحزبي و مكافحة الفساد التعبير الأكثر شيوعًا لتبرير الإزاحة. وعلى الرغم من اختلاف الشعارات، ظل الهدف العميق واحدًا وهو إعادة توحيد المركز ومنع تكرار لحظات الانقسام التي تعتبرها القيادة تهديدًا لبقاء النظام واستقراره.

ثم، مع تحول الصين إلى قوة اقتصادية وعسكرية كبرى، تضاعفت حساسية القيادة تجاه أي فساد داخل قطاع الدفاع، لأن فساد الدفاع لا يعني خسارة أموال فقط، بل يعني احتمال ضعف الجاهزية، واحتمال اختراق الأسرار، واحتمال أن تتحول المشتريات والترقيات إلى سوقٍ خفي يُضعف الكفاءة ويُصنع أمراء شبكات داخل المؤسسة. ولهذا، تبدو موجات التطهير الحديثة وكأنها تسابق الزمن، فالصين تريد جيشًا حديثًا قادرًا على العمل في بيئة تكنولوجية عالية الحساسية، وفي الوقت نفسه تريد جيشًا منضبطًا سياسيًا بلا تكتلات ولا ولاءات جانبية.

ومن هنا يعود السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تصبح القصة غير عادية عندما تصل إلى أعلى الجنرالات؟ لأن هذه اللحظة تعني أن بكين لا ترى الخطر في الأطراف فقط، بل ترى أن معيار الولاء والانضباط يحتاج إلى إعادة معايرة في المركز نفسه. وهي رسالة مزدوجة؛ إلى الداخل تقول إن القرب من القمة لا يمنح حصانة، وإلى الخارج تقول إن المؤسسة العسكرية لن تُترك رهينة اضطراب داخلي، وإن القيادة مستعدة للتضحية بأسماء كبيرة كي تمنع أي خلخلة في بنية القرار.

وبين سطور هذا كله، يظهر أن حملة الصين على الفساد في السلك العسكري ليست مجرد حملة أخلاقية، ولا مجرد رد فعل على فضيحة، بل هي جزء من تصور متكامل لإدارة الدولة: دولة تُريد مركزًا واحدًا، ومؤسسة عسكرية قوية لكنها غير مستقلة عن الحزب، وقيادة تُدرك أن القوة لا تُقاس بالسلاح وحده بل بانسجام السلسلة القيادية من القاعدة إلى القمة. لذلك، فإن أي تطور يطال أسماء من الوزن الثقيل داخل الجيش يُقرأ كحلقة ضمن عملية أوسع لإعادة ترتيب جيشٍ يتوسع ويُحدّث نفسه، بينما يبقى الولاء فيه، كما تقول الإشارات المتكررة، في الميزان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى