ذكاءٌ اصطناعي ينتحل العرش…و يضع اقتصاد الثقة العالمي تحت حصار التزييف العميق

صورة تعبيرية

 

نيويورك – رشادالخضر

في عالمٍ كانت فيه الهيبة جزءًا من الردع، لم يعد السؤال: من يملك السلطة؟ بل: من يستطيع تقليدها بما يكفي لفتح الأبواب والحسابات البنكية. التحذير البلجيكي الأخير من شبكة احتيال استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي لانتحال صفة الملك فيليب وأسماء قريبة من دائرته الرسمية ليس تفصيلًا محليًا، بل كان إشارة إلى أن الدولة الحديثة دخلت مرحلة جديدة، مرحلة يمكن فيها استنساخ الصوت والوجه واللغة والبروتوكول، ثم تحويل ذلك إلى طلبات مالية مقنعة على هيئة رعاية أو مساهمة أو دعوة لحفل رسمي. في هذه المرحلة لا تُسرق الأموال فقط، بل تُستنزف بنية الثقة التي يقوم عليها الاقتصاد والسياسة والأمن في آن واحد.

ومع أن حادثة بلجيكا تبدو كأنها تستهدف النخبة ورجال الأعمال، إلا أن نفس المنطق ضرب قلب الديمقراطية الأميركية بشكل مباشر. ففي ٢١ يناير/كانون الثاني ٢٠٢٤ تلقّى ناخبون في ولاية نيو هامبشاير مكالمات آلية بصوتٍ منسوخ يحاكي صوت الرئيس السابق جو بايدن ويحثّهم على عدم التصويت في الانتخابات التمهيدية التي جرت في ٢٣ من من نفس الشهر. الرسالة كانت بسيطة في ظاهرها وخطيرة في أثرها: “وفّروا أصواتكم” لاحقًا، وهي صيغة تُترجم عمليًا إلى إحباط المشاركة الانتخابية. وقد وثّقت سلطات نيو هامبشاير ذلك ضمن تحقيق رسمي، ثم أعلنت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية في ٢٣ من مايو/أيار من ٢٠٢٤ عن اقتراح غرامة قدرها ٠٦ ملايين دولار بحق المتهم بتدبير الحملة، على خلفية انتحال الهوية والتلاعب بمعلومات المتصل ونشر تضليل انتخابي عبر استنساخ الصوت. هذه ليست دعاية سلبية؛ إنها اختبار قاسٍ لفكرة سلامة العملية الانتخابية في عصر يمكن فيه تقليد الرئيس نفسه عبر مكالمة قصيرة.

وحين ننتقل من السياسة إلى الثقافة الشعبية، يتضح أن التزييف العميق لم يعد يتغذّى فقط على السلطة، بل على الشهرة أيضًا. ففي أواخر يناير ٢٠٢٤، انتشرت صور مزيفة إباحية مولّدة بالذكاء الاصطناعي للفنانة تايلور سويفت على منصات اجتماعية، واعتُبرت الواقعة مثالًا صارخًا على كيف يمكن للتقنيات الجديدة أن تُحوِّل الشهرة إلى سلاح ضد صاحبها، وأن تدفع المجتمع والنظام السياسي إلى نقاشات تشريعية وأخلاقية متسارعة حول الموافقة و الخصوصية والمسؤولية القانونية للمنصات. هنا يتحول الضرر من مجرد تشهير إلى تهديد نفسي واجتماعي يطال الجمهور نفسه، لأن الرسالة الضمنية تصبح “لا أحد محصن: لا شخصية مشهورة ولا مواطن عادي”.

أما في ميدان الحروب والصراعات، فقد ظهر الوجه الأخطر للتزييف العميق حين استخدم كسلاح لإرباك الرأي العام وبثّ الاستسلام. ففي مارس/آذار من ٢٠٢٢ انتشر مقطع مزيف يظهر فيه الرئيس الاوكراني فولوديمير زيلينسكي وكأنه يدعو القوات الأوكرانية إلى الاستسلام. سارعت وقتها المنصات لإزالة المحتوى، واعتُبرت الواقعة من أبرز الأمثلة المبكرة على التزييف العميق كسلاح داخل نزاع مسلح، بما يحمله ذلك من دلالة: فإذا أمكن تزييف خطاب رئيس دولة في زمن الحرب، فالتلاعب بالثقة لم يعد جريمة معلوماتية فقط، بل تهديدًا للأمن القومي والمعنويات العامة.

والخطورة الاقتصادية تتجلى بصورة أكثر برودة… وأكثر فتكًا. ففي ٠٤ فبراير/شباط ٢٠٢٤، كشفت الشرطة في هونغ كونغ عن عملية احتيال أُجبر فيها موظف مالي داخل فرع شركة متعددة الجنسيات على تحويل ما يقارب مئتي مليون دولار هونغ كونغي بعد مشاركته في اجتماع عبر الفيديو بدا حقيقيًا بالكامل، لأن المحتالين استخدموا وجوهًا وأصواتًا مزيفة تحاكي المدير المالي وعدة موظفين آخرين. النتيجة كانت خسارة تقارب ٢٥ مليونًا و٦٠٠ ألف دولار أميركي. لم تكن هذه الواقعة مجرد خدعة فيديو، بل كانت إعلانًا بأن الاجتماعات المرئية نفسها، التي أصبحت عصبًا للاقتصاد العالمي، يمكن تحويلها إلى منصة سرقة بملامح بشرية مقنعة.

وفي آسيا أيضًا، عاد السيناريو بصورة مختلفة لكن بالمنطق ذاته: منصب وهمي بصوت ووجه مقنع. ففي ٠٧ أبريل/نيسان ٢٠٢٥، أعلنت الشرطة في سنغافورة تفاصيل قضية كاد فيها مدير مالي أن يخسر أكثر من ٤٩٩ ألف دولار أميركي بعد مكالمة فيديو مزيفة انتحلت صفة مسؤولين كبار داخل شركته، قبل أن تُستعاد الأموال عبر مركز مكافحة الاحتيال وبالتعاون مع جهات في هونغ كونغ. الفكرة هنا أن الاحتيال لم يعد يعتمد على رسائل بريد ركيكة، بل على مسرح كامل من السلطة المؤداّة داخل شاشة صغيرة.

وحين يلتقي التزييف العميق بوجه مألوف على الشاشة، يصبح الاحتيال أقرب إلى إعلان تجاري منضبط لا إلى جريمة. و في ٠٢ من أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٣، نشر الممثل توم هانكس تحذيرًا علنيًا من إعلان مزيف يستخدم نسخة مولّدة بالذكاء الاصطناعي من صورته للترويج لخدمة لا علاقة له بها، مؤكدًا أنه لا شأن له بذلك. هذا النوع من الاستغلال لا يسرق المال فقط، بل يلوّث المجال الإعلاني كله، فإذا كان بإمكان إعلان مزيف أن يستعير وجه نجم عالمي ويبدو مقنعًا، فالمتلقي العادي يصبح الهدف الأسهل، وتتحول الثقة في الإعلانات إلى ثغرة أمنية.

وإذا كان المشاهير يُستخدمون كواجهة لإقناع الجمهور، فإن المسؤولين والخبراء يُستخدمون كواجهة لإقناع الأكثر حذرًا. ففي بريطانيا، حذّر الخبير المالي مارتن لويس مرارًا من إعلانات احتيالية توظّف صورته وسمعته لخداع الناس، وذهب في تحذيراته إلى اعتبار البيئة الرقمية أشبه بالغرب المتوحش حين تُترك الإعلانات الممولة دون رقابة فعالة. و اعتُبرت هذه النقطة مهمّة سياسيًا، لأن الدولة عندما تعجز عن حماية مواطنيها من الإعلانات المزيفة، فهي لا تخسر أموالهم فقط، بل تخسر شرعية قدرتها على الضبط في الفضاء العام.

ومن هنا يصبح التهديد عالميًا لا أوروبيًا ولا أميركيًا ولا آسيويًا فحسب، لأن وصفة الخطر واحدة في كل مكان: بيانات وفيرة عن الشخص المستهدف، و أدوات ذكاء اصطناعي رخيصة ومتاحة، ومنصات توزيع سريعة، ثم هندسة نفسية تُتقن لغة الإقناع. الخطورة ليست فقط في أن المحتالين باتوا أكثر مهارة، بل في أن تكلفة التحقق سترتفع على الجميع، حيث شركات وبنوك ومؤسسات خيرية وإعلامية، وحتى العائلات. وعندما ترتفع تكلفة التحقق، تتباطأ المعاملات، وتتأخر القرارات، ويتحول الاقتصاد إلى بيئة مشككة بطبعها… وهذه خسارة جماعية حتى قبل أن تقع سرقة واحدة.

غير أن أخطر طبقات الأزمة تقع على مستوى النفس والمجتمع، لا على مستوى الحسابات وحدها. فحين يرى المراهق مقطعًا مزيفًا لشخصية عامة أو لزميل له، أو يسمع صوتًا مألوفًا يقول ما لم يقله، و تتشوّه علاقة الجيل الجديد بمفهوم الحقيقة ذاته. و يتعلم الطفل باكرًا أن العين قد تخون، وأن الأذن قد تُخدع، وأن السمعة يمكن أن تُسحق بمقطع لا يحتاج إلا دقائق ليُصنع. وفي هذه البيئة، يصبح التنمّر والابتزاز أكثر قسوة لأن الدليل يمكن تصنيعه، وتصبح الصدمة النفسية أشد لأن الضحية تُجبر على الدفاع عن واقعٍ لم يحدث أصلًا.

وبالتالي فإنّ ما جرى مؤخرا في بلجيكا، ليس مجرد قصة احتيال بواجهة ملكية، بل هو جزء من خريطة عالمية تتشكل أمامنا تتميّز بالتزييف العميق الذي ينتقل من الترف التقني إلى بنية تهديد عابر للحدود، يضرب الانتخابات عبر استنساخ صوت رئيس، ويضرب السمعة عبر صور مزيفة لنجوم، ويضرب الأمن عبر مقاطع في زمن الحرب، ويضرب الشركات عبر اجتماعات مرئية كل من فيها يبدو حقيقيً”. وفي مواجهة هذا التحول، لن تكفي التحذيرات العامة وحدها؛ إذ إن المطلوب هو إعادة بناء نظام ثقة جديد من خلال قنوات تحقق رسمية واضحة، و توثيق أقوى للاتصالات الحساسة، و مساءلة أشد للمنصات الإعلانية، وتعليم رقمي يحصّن الأطفال والمراهقين قبل أن يصبح الشك نمط حياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى