اللواء التوم يكتب جبال النوبة: إرثٌ من التسامح والتعايش يصمد في وجه الحروب نحو مستقبلٍ من السلام والازدهار

 

 

✍️ بقلم اللواء التوم الضي ازرق

رئيس دائرة العلاقات الخارجية والاستثمار بالجبهة الثالثة تمازج

بين الأمس والغد، يظل الأمل قائماً في أن تستعيد جبال النوبة عافيتها، وأن ينعم الشعب السوداني بإرثه الثقافي الغني والمتنوع. فقد عُرف أهل هذه المنطقة، بمختلف مكوناتهم من مزارعين ورعاة، بقيم اجتماعية راسخة تقوم على التسامح، والتكافل، واحترام القيادات الأهلية من مكوك وسلاطين وشيوخ، إلى جانب أدوار لجان الجودية ومجالس الصلح التي تُعقد تحت ظلال الأشجار في مشاهد تعكس عمق التقاليد وجمال البيئة. ويُعد “النفير” أحد أبرز مظاهر هذا التماسك الاجتماعي، حيث يتكاتف أفراد المجتمع في الزراعة والحصاد وبناء المنازل، مجسدين روح التعاون التي ظلت سمة أصيلة في حياة إنسان جبال النوبة.

وتتميّز المنطقة أيضاً بإرث ثقافي نابض بالحياة، يتجلى في الرقصات الشعبية والاحتفالات الفلكلورية التي تصاحب المواسم والمناسبات الاجتماعية، مثل الأعراس والحصاد. وتشمل هذه التقاليد رقصات معروفة كـ”الكمبلا” و”المردوم” و”المنضلة”، إلى جانب الألعاب الشعبية مثل المصارعة ولعبة العصا، التي تعكس قيم الشجاعة والفروسية والانضباط المجتمعي وفق أعراف محلية مثل “قانون البرامكة”. كما تُجسد هذه الأنشطة مظاهر التعايش والتسامح، حيث يشارك فيها مختلف أبناء المنطقة في أجواء من الفرح والتلاحم، مصحوبة بكرم الضيافة الذي يُعد قيمة مقدسة في ثقافة النوبة.

غير أن هذا الإرث الثقافي تعرّض لتحديات كبيرة بفعل الحروب والصراعات الممتدة، وما صاحبها من قمع وتدخلات أيديولوجية أثّرت سلباً على النسيج الاجتماعي وأضعفت استمرارية العديد من الموروثات. فقد تراجعت بعض الممارسات الثقافية والألعاب الشعبية، واختفت مظاهر كانت تزيّن الحياة اليومية في القرى والمدن، نتيجة النزاعات التي أرهقت المجتمعات المحلية وأثّرت على استقرارها. ومع ذلك، لا تزال جذوة الثقافة حيّة في وجدان الناس، ويستمر التمسك بها كوسيلة للحفاظ على الهوية ومقاومة محاولات الطمس والتفكيك.

 

وتُجسد جبال النوبة نموذجاً فريداً للتعايش بين مكوناتها المختلفة، بما في ذلك العلاقة التاريخية بين النوبة وعرب البقارة، والتي قامت على التكامل الاقتصادي والتبادل الثقافي والمصاهرة. فقد شكّلت الزراعة والرعي أساساً لعلاقات متوازنة عززت الاستقرار والتفاهم، وامتدت لتشمل تشابهاً في العادات والتقاليد والفنون الشعبية. كما تتميز المنطقة بتسامح ديني لافت، حيث يتعايش المسلمون والمسيحيون في انسجام واحترام متبادل، في ظل دور فاعل للإدارات الأهلية في فض النزاعات وتعزيز السلام. إن الحفاظ على هذا الإرث المشترك، وترسيخ قيم الوحدة والتنوع، يمثلان حجر الأساس لبناء مستقبل يسوده العدل والاستقرار والازدهار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى