من هرمز إلى السويس: الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تراقب قمة ترامب وشي وسعر الاستقرار (3 من 4)

تراقب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قمة ترامب وشي من خلال نقاط الضغط الحقيقية في المنطقة: مضيق هرمز، باب المندب، البحر الأحمر، قناة السويس، أمن الخليج، أسواق الطاقة، والحضور الاقتصادي الصيني المتنامي. بالنسبة للمنطقة، الاستقرار ليس شعاراً سياسياً، بل ثمن استمرار التجارة والطاقة وحماية المصالح الوطنية.

 

بقلم: أحمد فتحي –

“Clear Voices. Global Impact”
News & Media Production

نيويورك: ستُتابَع قمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين في أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من خلال سؤال يتجاوز التجارة: هل تستطيع واشنطن وبكين تخفيف الضغط حول إيران والملاحة العالمية من دون تحويل المنطقة إلى طاولة مساومات؟

بالنسبة إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا يتعلق الأمر بالخليج وحده. إنها خريطة من الممرات البحرية الحساسة والاقتصادات الهشة، من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن البحر الأحمر إلى قناة السويس، ومن أسواق الطاقة الخليجية إلى الموانئ والميزانيات وأسعار الغذاء في شمال أفريقيا.

انتقل ملف إيران إلى موقع قريب من مركز أجندة قمة ترامب وشي. ووفقا لبيان صادر عن وزارة الخارجية الأميركية نقلته تقارير هذا الأسبوع، اتفقت الولايات المتحدة والصين على أنه لا ينبغي لأي دولة فرض رسوم على الملاحة عبر مضيق هرمز. هذه نقطة تقاطع نادرة بين واشنطن وبكين، لكنها ليست تسوية. فإيران ما زالت تدرك أن هرمز ورقة ضغط، والعالم يدرك الفاتورة عندما تُستخدم تلك الورقة.

بالنسبة إلى العواصم الخليجية، الحساب مباشر. السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت، والبحرين، وعُمان تحتاج إلى ممرات بحرية آمنة، وأسواق طاقة مستقرة، وحماية للبنية التحتية. لكنها تحتاج أيضا إلى القوتين معا: الولايات المتحدة للأمن الصلب، والصين للتجارة والاستثمار والتكنولوجيا والطلب على الطاقة.

هذا هو توازن الخليج الصعب. للصين نفوذ لدى طهران، لكنها لا تسيطر عليها. ولواشنطن قدرة عسكرية واسعة، لكن سياستها الإقليمية تُقرأ بشكل متزايد على أنها متقلبة. تستطيع حكومات الخليج العمل مع الطرفين. لكنها لا تستطيع تحمل الوقوع في أسر أي منهما.

تحاول الصين تقديم نفسها كقوة استقرار. فقد دعت بكين إلى الدبلوماسية حول إيران وأمن الخليج، مع تجنب الاصطفاف المباشر مع حملة الضغط الأميركية. هذا الموقف يخدم الصين. فهو يحمي علاقاتها مع طهران، ويطمئن شركاءها في الطاقة بالخليج، ويمنح بكين دورا دبلوماسيا من دون أن تتحمل أعباء الضامن الأمني.

لكن المنطقة ستحكم على الصين بالنتائج لا بالمفردات. إذا ساعدت بكين في إبقاء هرمز مفتوحا، فسيرتفع وزنها. أما إذا وفرت غطاء لإيران بينما تطلب من شركائها الخليجيين الثقة في دبلوماسيتها، فسيصبح هذا التوازن أصعب في الدفاع عنه.

ترى مصر الأزمة من طرفي السلسلة البحرية. عندما تتجنب السفن باب المندب والبحر الأحمر، تدفع مصر الثمن عبر قناة السويس. وقد قال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن مصر خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات القناة بسبب الهجمات على الشحن المرتبطة بحرب غزة والاضطرابات حول باب المندب.

لكن مصر لا تمتص الصدمة فقط. إنها تشير أيضا إلى أن لها دورا في أمن الخليج. فقد كشفت وزارة الدفاع الإماراتية مؤخرا عن نشر مقاتلات رافال مصرية في الإمارات، بحسب تقارير عسكرية وإقليمية، وظهر هذا الانتشار علنا خلال زيارة السيسي إلى الإمارات.

لهذا الانتشار بُعد إنساني واقتصادي أيضا. يعيش أكثر من 7 ملايين مصري في دول مجلس التعاون الخليجي، بحسب المنظمة الدولية للهجرة، مع تقديرات شائعة تشير إلى وجود ما بين 800 ألف ومليون مصري في الإمارات وحدها. لذلك فإن أي وجود عسكري مصري في دولة خليجية لا يتعلق فقط بالتضامن العربي، بل يتعلق أيضا بحماية المواطنين المصريين، والتحويلات المالية، والمصالح الاقتصادية الداخلية.

أما التقارير التي تتحدث عن وجود قوات ومعدات مصرية متخصصة في أربع دول خليجية فيجب التعامل معها بحذر. فهي تبدو مستندة إلى مصدر سياسي مصري مجهول نقلته الجزيرة نت وأعادت وسائل إعلام إقليمية نشره، وليست بيانا مصريا رسميا كاملا. الصياغة الأكثر أمانا هي أن مصر عرضت علنا وجودا عسكريا في الإمارات، بينما تبقى التقارير عن وجود خليجي أوسع ذات دلالة سياسية، لكنها غير مكتملة الشفافية.

هذا يمنح قمة ترامب وشي بعدا مصريا إضافيا. إذا نجحت واشنطن وبكين في خفض الضغط حول إيران وهرمز، تستفيد مصر عبر هدوء الملاحة، وزيادة فرص تعافي قناة السويس، وتعزيز أمن مواطنيها في الخليج. أما إذا فشلت القمة، فقد تجد مصر نفسها أمام تهديدات في البحر الأحمر من جهة، وتصعيد محتمل في الخليج من جهة أخرى.

اليمن والسودان والصومال تضيف طبقة أخرى. فهي ليست هوامش جغرافية. إنها تقع على طول أو قرب ممر البحر الأحمر وخليج عدن، حيث تجعل هشاشة الدولة، والحروب، والجماعات المسلحة، والمنافسة الخارجية إدارة الأمن البحري أكثر صعوبة. وقد حذرت السلطات البحرية الأميركية في مارس السفن التجارية العاملة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن وبحر العرب والحوض الصومالي من ضرورة البقاء في حالة يقظة إزاء مخاطر مرتبطة بهجمات الحوثيين.

هذا الممر يربط عدة أزمات في وقت واحد: حرب اليمن، والانهيار في السودان، وعدم الاستقرار حول القرن الأفريقي، وضغط الملاحة في البحر الأحمر، والصراع الأوسع على الموانئ والقواعد والنفوذ. أي تفاهم بين ترامب وشي يتعامل مع المنطقة فقط كممر للطاقة سيفوته جوهر القصة. هذه ليست مياها فارغة. إنها خطوط صدع سياسية تمتد على ضفتي البحر.

تقدم المغرب زاوية مختلفة من شمال أفريقيا. فالرباط ليست معرضة لهرمز بالطريقة نفسها التي تنكشف بها دول الخليج المصدرة للطاقة أو الاقتصادات الآسيوية المستوردة للنفط. لكنها معرضة للجانب الصناعي من المنافسة الأميركية الصينية. فقد نما الاستثمار الصيني في سلاسل توريد البطاريات والسيارات الكهربائية في المغرب بشكل حاد، بما في ذلك مشروع مصنع بطاريات ضخم مدعوم صينيا في القنيطرة، تقدر قيمته بنحو 5.6 مليار دولار.

هذا يضع المغرب داخل الجغرافيا الجديدة للتنافس بين القوى الكبرى: الموانئ، والبطاريات، والتكنولوجيا الخضراء، وطرق التجارة بين أوروبا وأفريقيا، وسلاسل الإمداد. بالنسبة إلى الرباط، الصين ليست فقط فاعلا دبلوماسيا، بل شريك صناعي. لكن ذلك يعني أيضا أن التنافس الأميركي الصيني يمكن أن يعقّد طموحات المغرب في أن يصبح جسرا صناعيا بين أفريقيا وأوروبا والأسواق العالمية.

لهذا السبب، لا يمكن اختزال رؤية الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لقمة ترامب وشي في إيران وحدها. إيران مهمة لأن هرمز مهم. وهرمز مهم لأن أسواق الطاقة مهمة. لكن السلسلة لا تتوقف هناك. إنها تمر عبر باب المندب، والسويس، والبحر الأحمر، واقتصادات شمال أفريقيا، وأمن الخليج، والبصمة التجارية الصينية المتزايدة.

النتيجة التي تفضلها المنطقة عملية: إبقاء هرمز مفتوحا، وخفض خطر التصعيد الأميركي الإيراني، وحماية الملاحة في البحر الأحمر، واستقرار أسعار الطاقة، وتجنب دفع الدول إلى الاختيار بين واشنطن وبكين.

أما أسوأ نتيجة فهي واضحة أيضا: قمة تهدئ العلاقات الأميركية الصينية على الورق، لكنها تترك المنطقة تدفع ثمن المخاطر في البحر، وفي الأسواق، وفي الميزانيات المرهقة أصلا.

هذا هو المقال الثالث في سلسلة ATN حول الرهانات العالمية لزيارة ترامب إلى الصين. تناول المقال الأول تايوان وإيران وصراع القوة الأوسع بين الولايات المتحدة والصين. وفحص المقال الثاني كيف تراقب اليابان وكوريا الجنوبية القمة من خلال تايوان، وكوريا الشمالية، وهرمز، ومصداقية التحالفات الأميركية. أما المقال الأخير فسيتناول مخاوف أوروبا بشأن أوكرانيا، والتجارة، وحلف الناتو، والسياسة تجاه الصين.

بالنسبة إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا تتعلق قمة ترامب وشي بمن يربح الغرفة في بكين. بل بمن يدفع الثمن إذا فشلت تلك الغرفة.

نبذة عن الكاتب: أحمد فتحي صحافي دولي، ومراسل معتمد في الأمم المتحدة، ومحلل في الشؤون العالمية، ومعلق في قضايا حقوق الإنسان. يكتب عن الدبلوماسية، والتعددية، والقوة، والحريات العامة، والسياسات التي تشكل مستقبل عالمنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى