اليابان وكوريا الجنوبية تراقبان قمة ترامب وشي عبر تايوان وكوريا الشمالية وهرمز (2 من 4)

عين اخبار الوطن –
Clear Voices. Global Impact”
News & Media Production

بقلم: أحمد فتحي
نيويورك: ستُتابَع القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين باهتمام شديد في طوكيو وسيول. فبالنسبة إلى اليابان وكوريا الجنوبية، لا يتعلق اللقاء بالصين وحدها. إنه يتعلق بتايوان، وكوريا الشمالية، وأمن الطاقة، ومستقبل نظام التحالفات الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
يريد البلدان إدارة التوتر بين الولايات المتحدة والصين. فلا اليابان ولا كوريا الجنوبية تريدان أزمة مفتوحة بين أكبر قوتين في العالم. لكنهما ستبحثان عن إشارات واضحة إلى أن الاستقرار مع بكين لا يتم شراؤه بلغة أكثر ليونة حول تايوان، أو بضغط أضعف على كوريا الشمالية، أو بغموض في الالتزامات الأمنية الأميركية.
أول هواجس اليابان هو تايوان. فأي أزمة عبر مضيق تايوان ستؤثر على الأراضي اليابانية، والقواعد الأميركية في اليابان، وخطوط الملاحة، وبحر الصين الشرقي. وقد أعلنت طوكيو دعمها لاستقرار العلاقات الأميركية الصينية، لكن الاختبار الحقيقي بالنسبة إليها هو ما إذا كانت واشنطن ستبقي الردع واضحا، وتُبقي الحلفاء على اطلاع كامل.
رؤية الصين مختلفة. فبكين تقدم القمة بوصفها فرصة لتثبيت الاستقرار في العلاقات، لكنها تواصل التعامل مع تايوان كقضية سيادة أساسية. بالنسبة إلى اليابان، يعني ذلك أن كل كلمة في البيانات الأميركية والصينية ستُقرأ بعناية. عبارة غامضة في بكين يمكن أن تتحول إلى مصدر قلق أمني في طوكيو.
أما كوريا الجنوبية فتقرأ القمة من زاوية كوريا الشمالية. تعتمد سيول على التحالف مع الولايات المتحدة، وتتاجر بكثافة مع الصين، وتواجه جارا نوويا يزداد تشددا. وقد ابتعدت كوريا الشمالية أكثر عن أي مسار جدي لنزع السلاح النووي، بينما تصف التعاون الأميركي الياباني الكوري الجنوبي بأنه تكتل عسكري معاد.
هذا يجعل أي نقاش بين ترامب وشي حول شبه الجزيرة الكورية بالغ الحساسية. فإذا طلب ترامب مساعدة الصين بشأن كوريا الشمالية، فستريد سيول أن تعرف الثمن. كما ستسعى إلى تجنب تهميشها عبر قناة مباشرة بين الزعماء تتعامل مع كوريا الجنوبية كمتفرج على أمنها الخاص.
ثم يأتي هرمز.
اليابان وكوريا الجنوبية اقتصادان صناعيان متقدمان، لكن لديهما نقطة ضعف واضحة: جزء كبير من طاقتهما يأتي من الخليج. تعتمد اليابان على الشرق الأوسط في نحو 95 في المئة من إمداداتها النفطية، ويمر نحو 70 في المئة من وارداتها النفطية عادة عبر مضيق هرمز. كما تواجه كوريا الجنوبية انكشافا كبيرا. فقد مر أكثر من 60 في المئة من وارداتها من الخام ونحو نصف وارداتها من النافثا عبر هرمز في عام 2025، وفقا لوكالة أسوشيتد برس.
وهذا يجعل إيران جزءا من القصة في شمال شرق آسيا. فقد أدانت كوريا الجنوبية مؤخرا هجوما على سفينة شحن تشغلها شركة HMM قرب مضيق هرمز، بينما ضغط ترامب على سيول لدعم الجهود التي تقودها الولايات المتحدة لحماية الممرات البحرية في المنطقة، وفقا لرويترز. كما ناقشت اليابان والإمارات توسيع إمدادات النفط ومخزونات الخام المشتركة، في وقت تبحث فيه طوكيو عن سبل لتقليل تعرضها لاضطرابات الإمدادات.
لذلك، عندما يناقش ترامب إيران مع شي، ستستمع طوكيو وسيول بعناية. للصين علاقات مع طهران ومصالح طاقة كبيرة في الخليج. إذا ساعدت بكين في تهدئة الأزمة، تستفيد اليابان وكوريا الجنوبية. أما إذا استخدمت الصين دورها للحصول على تنازلات في ملفات أخرى، فإن ملف الشرق الأوسط سيتحول إلى مشكلة في المحيطين الهندي والهادئ.
قضية التحالفات تعلو كل هذه الاعتبارات.
اليابان وكوريا الجنوبية ليستا لاعبين جانبيين في الاستراتيجية الأميركية. إنهما ركيزتان للوجود العسكري الأميركي في شمال شرق آسيا. القوات الأميركية في البلدين تدعم الردع في مواجهة الصين وكوريا الشمالية، وتساعد واشنطن على إظهار القوة في عموم منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
النظرة التبادلية التي يتبناها ترامب تجاه التحالفات جعلت الحلفاء أكثر حذرا. تستطيع طوكيو وسيول إدارة الضغوط لزيادة الإنفاق الدفاعي. ما يصعب عليهما إدارته هو الغموض حول ما إذا كانت واشنطن تنظر إلى التحالفات كالتزامات استراتيجية طويلة الأمد أم كتكاليف قابلة للتفاوض.
لهذا السبب، فإن أفضل نتيجة بالنسبة إلى اليابان وكوريا الجنوبية ليست نتيجة درامية. بل نتيجة منضبطة: لغة أميركية واضحة بشأن تايوان، وعدم إضعاف الردع ضد كوريا الشمالية، وتقدم عملي لإبقاء مضيق هرمز مفتوحا، وطمأنة بأن التحالفات لا تزال في صميم الاستراتيجية الأميركية.
أما أسوأ نتيجة فهي واضحة أيضا: قمة تنتج عناوين في واشنطن وبكين، لكنها تترك حلفاء أميركا يتساءلون عما جرى تداوله بهدوء خلف الأبواب المغلقة.
هذا هو المقال الثاني في سلسلة ATN حول الرهانات العالمية لزيارة ترامب إلى الصين. تناول المقال الأول تايوان وإيران وصراع القوة الأوسع بين الولايات المتحدة والصين. أما المقالات المقبلة فستبحث كيف تقرأ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا القمة من زاوية إيران والنفط والموازنة الاستراتيجية، وكيف تراقب أوروبا الملفات المتصلة بأوكرانيا والتجارة وحلف الناتو والسياسة تجاه الصين.
بالنسبة إلى اليابان وكوريا الجنوبية، قمة ترامب وشي ليست قصة واحدة. إنها أربع قصص في آن واحد: تايوان، وكوريا الشمالية، وهرمز، ومستقبل نظام التحالفات الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ. أي واحدة منها قادرة على هز المنطقة. مجتمعة، تفسر لماذا سيستمع حلفاء أميركا بعناية ليس فقط إلى ما سيقوله ترامب لشي، بل أيضا إلى ما سيقوله لهم بعد بكين.
نبذة عن الكاتب: أحمد فتحي صحافي دولي، ومراسل معتمد في الأمم المتحدة، ومحلل في الشؤون العالمية، ومعلق في قضايا حقوق الإنسان. يكتب عن الدبلوماسية، والتعددية، والقوة، والحريات العامة، والسياسات التي تشكل مستقبل عالمنا.



