قمة بكين ورسائل موسكو والولايات المتحدة .. عالم على مفترق طرق

خاص الشرق الأوسط في مرآة التنافس الأمريكي الصيني الروسي

عين اخبار الوطن – الخليج أونلاين

 

في مشهد دولي تتداخل فيه الأزمات مع التحالفات، تعود ملامح “حرب باردة جديدة” إلى الواجهة، لكن بصيغة أكثر تعقيداً وتشابكاً؛ إذ لم يعد الاستقطاب محصوراً في ثنائية تقليدية بين الشرق والغرب، بل بات أقرب إلى توازن ثلاثي تتصدره الولايات المتحدة من جهة، وتنافسها الصين وروسيا من جهة أخرى.

وبقلب هذا المشهد تبرز منطقة الشرق الأوسط بوصفها الساحة الأكثر حساسية لاختبار النفوذ وإعادة رسم خرائط التأثير، في ظل تصاعد التوترات من الخليج إلى البحر الأحمر، مروراً بملف إيران والحرب في غزة.

زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين، ولقاؤه نظيره الصيني شي جين بينغ، جاءت لتؤكد مساراً متسارعاً من التقارب الاستراتيجي بين البلدين، في وقت يشهد فيه العالم اضطراباً متزايداً في ملفات الطاقة والأمن والنزاعات الإقليمية.

اللقاء لم يكن بروتوكولياً بقدر ما حمل رسائل سياسية واضحة، مفادها أن بكين وموسكو تمضيان نحو تعزيز رؤية تقوم على نظام دولي متعدد الأقطاب، في مواجهة ما تصفانه بمحاولات إعادة إنتاج الهيمنة الأحادية.

في المقابل، جاءت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين قبل أيام لتضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد الدولي.

الزيارة حملت طابعاً اقتصادياً وتجارياً في ظاهرها، لكنها لم تخلُ من ملفات استراتيجية شديدة الحساسية، تتعلق بسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة، والتطورات المتسارعة في الشرق الأوسط.

وبينما سعت واشنطن إلى فتح قنوات تفاهم مع بكين، بدت الخلافات أعمق من أن تُحتوى في جولة تفاوض واحدة، خصوصاً في ما يتعلق بتوزيع النفوذ العالمي ودور الصين المتنامي خارجياً.

رسائل سياسية من موسكو

خلال القمة في بكين، أكد الرئيس الصيني أن العلاقات مع روسيا وصلت إلى “مستوى غير مسبوق”، مشيراً إلى أن العالم يمر بمرحلة تعيد فيها بعض القوى محاولة فرض هيمنتها التقليدية.

من جهته، شدد الرئيس الروسي على أن الشراكة مع الصين أصبحت أكثر استقراراً وفاعلية، لا سيما في مجالات الطاقة والتجارة، مع توسع استخدام العملات المحلية في التسويات المالية، في خطوة تعكس مساراً تدريجياً لتقليص الاعتماد على الدولار.

لكن البعد الأبرز في القمة كان سياسياً، إذ دعا الطرفان إلى وقف التصعيد في الشرق الأوسط، والعودة إلى المسارات الدبلوماسية في معالجة أزمات المنطقة، ومن ضمنها الحرب في غزة والتوترات المرتبطة بإيران.

من جانب آخر، حذّرت موسكو وبكين من توسع مشاريع الدفاع الصاروخي الغربية، معتبرتين أنها تساهم في زعزعة الاستقرار الدولي، في إشارة مباشرة إلى احتدام المنافسة مع الولايات المتحدة.

تقارب اقتصادي وحدود سياسية

في المقابل، عكست زيارة ترامب إلى بكين محاولة لإعادة ضبط العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم، عبر ملفات التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.

غير أن الطابع الاقتصادي للزيارة استبطن ملفات أكثر حساسية، من بينها أمن الطاقة، والتطورات في الخليج، والتداعيات المحتملة لأي تصعيد عسكري في المنطقة.

وبحسب أجواء المحادثات، فقد سعت واشنطن إلى دفع الصين نحو دور أكبر في ضبط تدفقات النفط الإيراني، مستفيدة من كون بكين أحد أكبر مستوردي النفط من الشرق الأوسط.

وتناولت المحادثات تداعيات التوترات في الخليج على أسواق الطاقة العالمية، خصوصاً في ما يتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الشرايين الحيوية لتجارة النفط.

ورغم الحديث عن “إعادة ضبط” في العلاقات، فإن التباينات الاستراتيجية بين الطرفين بدت راسخة، لا سيما بشأن شكل النظام الدولي وموقع الصين في التوازنات الإقليمية.

ساحة اختبار مفتوحة

في ضوء هذه التحركات المتوازية، يبدو الشرق الأوسط الساحة الأكثر حساسية في معادلة الاستقطاب الدولي الجديد، إذ تتقاطع فيه مصالح الطاقة والممرات البحرية والنفوذ السياسي.

فبينما تتحرك الصين لحماية إمداداتها النفطية وتأمين مسارات التجارة المرتبطة بمبادرة “الحزام والطريق”، تسعى روسيا إلى تعزيز حضورها في أسواق الطاقة مستفيدة من العقوبات الغربية.

أما الولايات المتحدة فتركز على الحفاظ على شبكة تحالفاتها التقليدية، مع أولوية لأمن “إسرائيل” واستقرار الخليج، إلى جانب احتواء النفوذ الإيراني المتصاعد.

ذا التشابك في المصالح يجعل من أي انفجار جديد في المنطقة، سواء في غزة أو الخليج أو الملف الإيراني، عاملاً قادراً على إعادة تشكيل موازين العلاقات بين القوى الكبرى الثلاث.

وفي المحصلة، بينما تمضي بكين وموسكو في ترسيخ خطاب “النظام متعدد الأقطاب”، تحاول واشنطن الحفاظ على مركز ثقلها العالمي عبر إدارة توازنات دقيقة في أكثر مناطق العالم اضطراباً.

إدارة تنافس
الباحث والأكاديمي، د. سمير العبد الله، يرى أن تقارب زيارتي ترامب وبوتين لا يعكس قطيعة دبلوماسية بقدر ما يعكس “إدارة تنافس محسوب”.

ويشير، في حديثه لـ”الخليج أونلاين”، إلى أن واشنطن وبكين أعلنتا تصوراً لعلاقة “استقرار استراتيجي بنّاء”، مع آليات تجارة واستثمار جديدة، بينما استقبلت بكين بعد أيام الرئيس الروسي وأكدت معه تمديد معاهدة حسن الجوار، وإصدار بيان حول “تعددية الأقطاب”، مع التشديد على أن الشراكة الصينية الروسية تقوم على “عدم التحالف، وعدم المواجهة، وعدم استهداف طرف ثالث”.

واعتبر أن هذا يعني تصعيداً في الرسائل أكثر من كونه انتقالاً إلى مواجهة مفتوحة على نمط الحرب الباردة الكلاسيكية.

ويتابع العبد الله: “دبلوماسياً، أرادت بكين إظهار قدرتها على الحوار مع واشنطن من دون التفريط بشراكتها مع موسكو. واقتصادياً، أسفرت زيارة ترامب عن تفاهمات حول مجلسي تجارة واستثمار، ومشتريات بوينغ، وواردات زراعية، بما يؤكد استمرار التشابك الأمريكي الصيني”.

أما أمنياً، وفق ما يضيف العبد الله، “فبقيت ملفات تايوان وكوريا الشمالية وإيران ومضيق هرمز في قلب المحادثات. وفي المقابل عززت زيارة بوتين التنسيق الصيني الروسي عبر تمديد المعاهدة، وتوقيع وثائق تعاون، وربط الشراكة بشعار (العالم المتعدد الأقطاب)”.

وفي نظرته إلى هذا الملف يقول العبد الله لـ”الخليج أونلاين”:

– نحن أمام ردع رسائلي داخل إدارة مخاطر، لا إعلان اصطفاف نهائي.

– العالم يشهد بالفعل ملامح “حرب باردة جديدة”، لكن بصيغة مختلفة وأكثر تعقيداً، لم تعد الثنائية القطبية واضحة كما كانت بين واشنطن وموسكو في القرن الماضي.

– نحن أمام شبكة تنافس متعددة المستويات: اقتصادياً عبر سلاسل التوريد والتكنولوجيا، وعسكرياً عبر التحالفات، وسياسياً عبر النفوذ الإقليمي والطاقة والممرات البحرية.

– الصين ليست نسخة جديدة من الاتحاد السوفييتي، لأنها جزء عميق من الاقتصاد العالمي، وروسيا ليست قطباً مكافئاً للولايات المتحدة بقدر ما تمثل قوة عسكرية وجيوسياسية قادرة على تعطيل التوازنات.

– المشهد الدولي يحمل بعض سمات الحرب الباردة، لكنه ليس ثنائية قطبية صافية؛ فواشنطن وبكين ما زالتا تبنيان آليات تعاون اقتصادي، كما تصف تقارير مرجعية النظام الجاري بأنه تعدد/تعددية قطبية مع تنافس داخل المؤسسات الدولية، لا انقسام كامل بين كتلتين.

ويتحدث العبد الله عن الشرق الأوسط، واصفاً حساسيته بأنها “نابعة من تداخل الأمن والطاقة والممرات البحرية: فقد شكّل مضيق هرمز أكثر من ربع تجارة النفط المنقول بحراً عالمياً، ونحو خُمس استهلاك النفط والمنتجات النفطية، وذهب 84% من خامه إلى الأسواق الآسيوية”.

ولهذا السبب “يصبح استقرار المنطقة شأناً مباشراً للصين والولايات المتحدة وروسيا، لكن الاستقرار ليس رهينة هذه القوى وحدها؛ فدول الخليج تتجه أكثر إلى دور الجسر متعدد الانحياز”، بحسب العبد الله.

ويختم بالقول: “توسّع الصين حضورها الاقتصادي والدبلوماسي أكثر من سعيها إلى هيمنة عسكرية مباشرة. لذا فإن استقرار الشرق الأوسط مرتبط بقوة بتوازن العلاقات بين القوى الثلاث، لكن ليس بصورة ميكانيكية أو حصرية، لأن الفاعلين الإقليميين يملكون هامشاً متزايداً للمناورة والتأثير”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى