اتفاقية الخليج وبريطانيا.. شراكة اقتصادية تتجاوز التجارة

الشراكة الرقمية مع بريطانيا تعزز تنوع اقتصاد الخليج

 

نيويورك – عين اخبارالوطن- الخليج أونلاين

تشهد التجارة العالمية تحولات متسارعة تدفع الدول والتكتلات الاقتصادية إلى بناء شراكات أكثر تنوعاً ومرونة، في ظل تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية وتغير أولويات الاقتصاد الدولي، خصوصاً في مجالات الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد.

وفي هذا السياق تبرز اتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج وبريطانيا بوصفها خطوة تعكس انتقال العلاقات بين الجانبين من التعاون التجاري التقليدي إلى شراكة اقتصادية أوسع.

شراكة ممتدة

وفي خطوة تعكس تحوّل العلاقات الخليجية البريطانية إلى شراكة اقتصادية متعددة المسارات، وقّع الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي ووزير الدولة لشؤون التجارة البريطانية كريس براينت، في 20 مايو 2026 بالعاصمة لندن، البيان المشترك لختام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين.

ووصف البديوي الاتفاقية بأنها “نقلة نوعية” في العلاقات الخليجية البريطانية، مؤكداً أنها صُممت لتحقيق “منافع اقتصادية ملموسة ومستدامة وقابلة للقياس” للشركات والمستثمرين والمواطنين في الاقتصادات السبع

وأوضح أن هذا التفاهم يُعد اتفاقاً تجارياً “شاملاً وحديثاً”، يمتد ليشمل التجارة في السلع والخدمات والخدمات المالية والتجارة الرقمية، إضافة إلى حماية الاستثمار والمشتريات الحكومية والاتصالات وتنقل الأفراد والكوادر المهنية.

ومن الجانب البريطاني قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر: إن بلاده “فخورة بكونها أول دولة من مجموعة السبع تتوصل إلى اتفاق تجارة حرة مع الخليج”.

فيما اعتبر وزير التجارة البريطاني بيتر كايل أن الاتفاق “يبعث إشارة ثقة واضحة” في ظل تزايد حالة عدم الاستقرار العالمية، ويوفر للمصدرين البريطانيين وضوحاً أكبر للتخطيط المستقبلي.

وبحسب بيانات الحكومة البريطانية، تتجاوز قيمة التجارة الثنائية الحالية بين بريطانيا ودول مجلس التعاون 53 مليار دولار سنوياً.

كما تُعد الاتفاقية أول اتفاق تجارة حرة يوقعه التكتل الخليجي مع دولة من مجموعة السبع، بعد اتفاقيات سابقة مع كوريا الجنوبية وباكستان، بالتزامن مع مفاوضات جارية مع دول أخرى بينها الهند وتركيا وماليزيا.

مكاسب اقتصادية

وتكشف الأرقام المعلنة عن رهانات اقتصادية كبيرة من الجانبين على الاتفاقية الجديدة، إذ توقعت الحكومة البريطانية أن تضيف 3.7 مليارات جنيه إسترليني (4.96 مليارات دولار) سنوياً إلى الاقتصاد البريطاني على المدى الطويل.

ويفوق هذا الرقم أكثر من ضعفي التقديرات السابقة البالغة 1.6 مليار جنيه إسترليني (2.14 مليار دولار)، نتيجة توسيع نطاق تحرير التجارة والخدمات مقارنة بالتوقعات الأولية.

وأشار البديوي، في مقابلة مع “العربية Business” في 21 مايو 2026، إلى أن الاتفاقية مرشحة لرفع حجم التبادل التجاري بين الجانبين بنسبة 20% خلال الفترة المقبلة، ضمن مساعي الخليج لتنويع مصادر الدخل وتعزيز النشاط الاقتصادي.

وأكد أن الاتفاق يشمل قطاعات استراتيجية مثل الخدمات والملكية الفكرية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي وسلاسل الإمداد والاستثمارات، بما يعزز بيئة الأعمال ويرفع كفاءتها.

وتنص التفاهمات الجديدة على إزالة 93% من الرسوم الجمركية الخليجية على السلع البريطانية، بما يعادل إلغاء رسوم بقيمة 580 مليون جنيه إسترليني (777 مليون دولار) بحلول السنة العاشرة من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ.

كما سيُلغى نحو ثلثي الرسوم الجمركية فور بدء تطبيق الاتفاقية، بحسب الحكومة البريطانية.

وتتوقع لندن أيضاً زيادة الأجور بنحو 1.9 مليار جنيه إسترليني (2.55 مليار دولار) سنوياً، إلى جانب تسهيل الإجراءات الجمركية بحيث يتم إنجازها خلال 48 ساعة.

وسيفرج عن الشحنات القابلة للتلف خلال أقل من 6 ساعات بعد استيفاء المتطلبات، وفق بيان وزارة الخارجية والتنمية البريطانية.

خطوة استراتيجية

ويؤكد الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحيم الهور أن الاتفاقية الخليجية البريطانية تأتي في توقيت حساس تشهد فيه المنطقة تغيرات جيوسياسية متسارعة، لا سيما في ظل تداعيات التوترات الإقليمية وما أفرزته من إعادة تموضع للتحالفات ومفاهيم الأمن المشترك.

ويضيف لـ”الخليج أونلاين” أن أهمية العمل على تعزيز الاستقرار الاستراتيجي عبر تفاهمات متوازنة تأخذ بعين الاعتبار الثقل الإقليمي للأطراف الفاعلة في المنطقة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد وتهيئة بيئة أكثر استقراراً للمشاريع والتنمية والشراكات الاقتصادية طويلة المدى.

وأوضح الهور أن هذه الاتفاقية تمثل خطوة استراتيجية تتجاوز مفهوم التبادل التجاري التقليدي، إذ تعكس تحول العلاقة بين دول الخليج وبريطانيا من إطار يعتمد بصورة أساسية على النفط والطاقة، إلى شراكة استثمارية متعددة المجالات تشمل التكنولوجيا والخدمات والاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة.

ويشير إلى أن مرحلة ما بعد “بريكست” دفعت لندن إلى إعادة صياغة أولوياتها الاقتصادية عالمياً، مبيناً أن الخليج يُعد شريكاً جذاباً لبريطانيا لما يمتلكه من فوائض استثمارية، وأسواق واعدة، وخطط تحول طموحة، إضافة إلى موقعه الجيوسياسي المهم.

ولفت الهور إلى أن الاتفاقية تدعم خطط التنويع الاقتصادي الخليجية عبر تسهيل نقل الخبرات والتقنيات البريطانية المتقدمة إلى الأسواق المحلية، بينما تمنح لندن في المقابل منفذاً استراتيجياً نحو واحدة من أسرع البيئات الرقمية نمواً على مستوى العالم.

ويعتقد أن هذه التفاهمات تحمل بُعداً جيوسياسياً بارزاً؛ لكونها تمثل نموذجاً أولياً لشكل جديد من الشراكات الواسعة بين المنظومة الخليجية والتكتلات الغربية الكبرى، مستفيدة من تحول المنطقة إلى لاعب محوري في معادلة الاستقرار المالي العالمي.

ويتابع: “النظام الدولي يشهد تصاعداً لافتاً في المنافسة على مجالات التكنولوجيا الصاعدة والبنية التحتية الرقمية، مما يفرض على دول مجلس التعاون صياغة تموضع جديد يضمن مصالحها الحيوية في سوق الطاقة العالمي الجديد”.

ويخلص الهور إلى أن المنطقة تعيش مرحلة انتقال تدريجي ومدروس من “اقتصاد النفط” إلى “اقتصاد الشبكات الرقمية والاستثمار والتقنية”، مشدداً على أن الخليج يسعى بوضوح لأن يكون شريكاً مؤثراً وصانعاً للقرار في تشكيل هذا المشهد العالمي الجديد.

رهانات المستقبل

وفيما تبدو المكاسب التجارية المباشرة واضحة، فإن هذه الشراكة تحمل أبعاداً أوسع ترتبط بإعادة تموضع الاستثمارات والشراكات الاقتصادية طويلة الأجل بين الجانبين.

ويأتي ذلك بالتزامن مع تسارع خطط الخليج للتحول نحو اقتصاد ما بعد النفط، والتوسع في قطاعات الذكاء الاصطناعي والخدمات المالية واللوجستية والأمن الغذائي.

وتوقعت تقارير “بلومبيرغ” أن تستفيد شركات السيارات والأغذية والمشروبات البريطانية من الطلب الخليجي القوي على السلع البريطانية، في وقت تسعى فيه لندن إلى جذب مزيد من الاستثمارات الخليجية.

وتدير صناديق الثروة السيادية الخليجية أصولاً تُقدَّر بنحو 5 تريليونات دولار، ما يمنح الاتفاقية بعداً استثمارياً يتجاوز المكاسب التجارية المباشرة.

كما يُنتظر أن تفتح هذه الخطوة المجال أمام توسع الشركات البريطانية في قطاع الخدمات داخل دول الخليج دون عوائق جديدة، بالتوازي مع دعم خطط الأمن الغذائي عبر تسهيل وصول الصادرات الزراعية البريطانية للأسواق الخليجية.

وفي هذا السياق أكد الرئيس التنفيذي لمجموعة “HSBC”، جورج الحديري، أن منطقة الخليج تمثل أهمية استراتيجية وفرص نمو طويلة الأجل للبنك.

وأشار الحديري لـ”العربية Business”، في 21 مايو الجاري، إلى أن الانتشار الواسع للمجموعة في الدول الخليجية الست يمنحها قدرة مباشرة على الاستفادة من الفرص التي ستولدها الاتفاقية، ودعم الشركات والمؤسسات في بناء الشراكات والاستثمارات الجديدة.

وبذلك تبدو الاتفاقية مرشحة لتجاوز بعدها التجاري التقليدي نحو تأسيس شراكة اقتصادية طويلة الأمد بين الخليج وبريطانيا في مرحلة إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى