أزمة التعليم في إيران.. مؤشرات الاحتقان الاجتماعي ومستقبل السياسات الوطنية

بقلم / د. سامي خاطر آكاديمي و أستاذ جامعي

    تشهد الساحة الإيرانية في الأيام الأخيرة تحولات نوعية في طبيعة الاحتجاجات الشعبية حيث انتقل الحراك من المطالب المعيشية إلى المطالب السياسية المباشرة ومن ثم إلى احتجاجات طلابية عارمة تحمل هذه المطالب جميعها شملت عشرات المدن من طهران إلى مشهد والأهواز وصولاً إلى تبريز وأصفهان.

 إن هذا الحراك الذي تصاعد في السادس من يونيو 2026 يمثل اختباراً حقيقياً لمدى تماسك النظام التعليمي وفعالية السياسات التي يتبناها ما يسمونه بـ المجلس الأعلى للثورة الثقافية معبراً عن فجوة هيكلية في الرؤية التنموية لدى جمهورية الملالي.

اختلال العدالة التعليمية.. الجذور البنيوية للأزمة

يكمن جوهر الأزمة في الشعور الجمعي بـ انعدام العدالةداخل مؤسسات التعليم.. وتشير التقارير الميدانية والمراقبون المستقلون إلى أن السياسات المتبعة في امتحانات القبول الجامعي أدت إلى تكريس طبقِيّة تعليمية واضحة؛ حيث تستأثر المدارس الخاصة والطبقات المرتبطة بالدوائر الحكومية بمعظم المقاعد في الجامعات النخبوية؛ هذا التفاوت لا يمثل مجرد إخفاق إداري، بل يعكس خللاً بنيوياً في “تكافؤ الفرص” مما جعل أبناء الفئات المهمشة يشعرون بأن المسارات الأكاديمية والمهنية مغلقة أمامهم سلفاً، وهو ما ترجمته شعارات الطلاب لم نر عدالة، سمعنا وعوداً كثيرة.

سيكولوجية الاحتجاج.. الانتقال من الخوف إلى التكاتف

إن ما يميز الاحتجاجات الراهنة هو التغيير في “الكتلة الحرجة” للمتظاهرين؛ فقد دخل طلاب المدارس كعنصر فاعل وقوي.. والشعارات التي رُفعت مثل لا تخافوا نحن جميعاً معاً و”الطالب يموت ولا يقبل المذلة” تعكس تحولاً في سيكولوجية الحشود نحو كسر حاجز الخوف؛ هذا التكاتف الطلابي يشير إلى تآكل الثقة في المؤسسات الرسمية حيث يرى الطلاب في سياسات ما يسمى بـ المجلس الأعلى للثورة الثقافية أداة لتكريس التمييز والظلم بدلاً من أن تكون جسراً للارتقاء الاجتماعي.. هذا الغضب بصبغته الشبابية الواعية يضع النظام أمام تحدٍ جيوسياسي داخلي يتمثل في كيفية إدارة تطلعات جيل يرى أن حاضره ومستقبله مهددان.

التداعيات السياسية.. الحراك الطلابي مقياساً للنهضة..

تأتي دعوات السيدة مريم رجوي بصفتها شخصية سياسية معارضة لتوسيع نطاق التضامن بين الطلاب والتربويين، ولتضع هذه الاحتجاجات في إطار سياسي أكثر شمولية.. ومن وجهة نظر تحليلية استراتيجية يمثل الحراك الطلابي الحالي “ترمومتراً” لقياس درجة الاستقرار الاجتماعي في البلاد وحجم المواجهة في وجه الاستبداد الحاكم.. وأما النظم التي تعجز عن استيعاب طموحات الجيل الصاعد وتكتفي بالحلول الأمنية أو البيروقراطية فتضع نفسها في مواجهة مع القوة الحيوية للمجتمع.

 إن توسع الاحتجاجات في مدن كبرى مثل كرج وشيرازورشت وكرمانشاه يعني أن الأزمة ليست جغرافية أو قطاعية بل هي أزمة وطنية شاملة تتعلق بـ عقد اجتماعيبات في حاجة ماسة إلى إعادة صياغة.

الرؤية الاستراتيجية.. ومآلات السياسات الراهنة

إن التفكيك المعمق لبنية هذا الحراك يشير إلى أن أي محاولة لاحتواء الموقف عبر المعالجات السطحية ستكون قاصرة عن مواجهة جذور الأزمة.. ولقد أصبحت الشعارات الطلابية تتجاوز المطالب التعليمية لتصل إلى المطالبة بـ العدالة الاجتماعية.. هذا الحراك يعيد طرح تساؤلاتٍ حول طبيعة التخطيط الاستراتيجي لدى النظام الإيراني منها: هل يمكن للنظام الموازنة بين الحفاظ على أيديولوجيته وبين تلبية مطالب جيل يمتلك أدوات تواصل وقدرة على التنظيم الذاتي تتجاوز آليات الرقابة التقليدية؟

خلاصة القول.. إن المشهد الإيراني الراهن يعيش لحظة مفصلية؛ فالطلاب الذين خرجوا إلى الشوارع لا يطالبون فقط بتحسين العملية التعليمية بل يرفضون النظام برمته ومنظومة متكاملة من التمييز الهيكلي.

 إن نجاح النظام في إدارة هذه الأزمة أو فشله هو من سيحدد إلى حد كبير طبيعة التفاعلات السياسية في المرحلة القادمة؛ حيث ستظل العدالة التعليمية والإنصاف الاجتماعي هما المحرك الأساسي لأي حراك مستقبلي يسعى لإعادة تشكيل ملامح الدولة والمجتمع في إيران.

د. سامي خاطر آكاديمي و أستاذ جامعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى