إيران الغائبة عن ملف إيران

 

نيويورك- زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

في كل مرة تعود فيها إيران إلى واجهة الأحداث الدولية، تتكرر المفارقة ذاتها: العالم يتحدث كثيرًا عن إيران، لكنه نادرًا ما يتحدث عن الإيرانيين.

خلال الأيام الأخيرة انشغل الإعلام الغربي بالاتفاق الجديد بين واشنطن وطهران، وتصدرت العناوين ملفات الملاحة في مضيق هرمز، ومستقبل البرنامج النووي، ورفع العقوبات، وحجم الاستثمارات المحتملة التي قد تتدفق إلى الاقتصاد الإيراني. غير أن المتابع يلاحظ غياب سؤال جوهري: ماذا سيحصل للإيراني العادي بعد كل ذلك؟

تبدو إيران في السردية الغربية دولة نووية محتملة، وممرًا استراتيجيًا للطاقة، وعقدة جيوسياسية في قلب الشرق الأوسط. أما المجتمع الإيراني، بأزماته الاقتصادية وتحدياته السياسية ومعاناته اليومية، فيبقى غالبًا خارج الصورة.

اللافت أن جزءًا من النقد هذه المرة جاء من داخل الغرب نفسه. فقد ظهرت أصوات تتساءل عن سبب اختزال إيران في ملف أمني بحت، وكأن القضية الإيرانية تبدأ عند أجهزة الطرد المركزي وتنتهي عند مضيق هرمز. ويرى منتقدون أن أي اتفاق يُبنى على حسابات الأمن والطاقة فقط، دون النظر إلى أوضاع الإيرانيين، قد يحقق تهدئة مؤقتة لكنه لا يجيب عن الأسئلة العميقة التي يعيشها المجتمع الإيراني منذ سنوات.

والأكثر إثارة أن ردود الفعل داخل إيران نفسها لا تعكس الحماسة التي تظهر في بعض العواصم الغربية. فالتقارير الواردة من الداخل الإيراني تتحدث عن شكوك واسعة، وعن مواطنين لا يرون في الاتفاق بالضرورة مخرجًا لأزماتهم اليومية. البعض يخشى أن تتحول التفاهمات الجديدة إلى مجرد إعادة توزيع للمصالح بين الحكومات، فيما يبقى المواطن العادي في المكان نفسه كما تقول الغارديان.

من هنا تبرز معضلة أعمق تتجاوز إيران نفسها. فالتعامل الغربي مع الشرق الأوسط غالبًا ما يتم عبر ثلاثة مفاتيح رئيسية: الأمن، والطاقة، والاستقرار الجيوسياسي. وعندما تتعارض هذه الأولويات مع قضايا الحريات أو المطالب الشعبية أو التحولات الاجتماعية، تتراجع الأخيرة إلى الصفوف الخلفية.

الوثائق الأولية والتسريبات المتعلقة بالاتفاق الحالي تكشف أيضًا أن ملفات عديدة بقيت خارج إطار التفاوض أو أُرجئت إلى مراحل لاحقة. فالمباحثات ركزت على وقف التصعيد، وفتح الممرات البحرية، والعقوبات، والملف النووي، بينما غابت قضايا أخرى تتعلق بالحياة السياسية والحقوق المدنية داخل إيران.

وهنا يكمن السؤال الحقيقي: هل الهدف من الاتفاقات الدولية تغيير سلوك الدول فقط، أم تحسين حياة الشعوب أيضًا؟

فإذا كان نجاح الاتفاق يُقاس بعودة السفن إلى المضيق واستقرار أسواق الطاقة، فقد يكون ذلك انتصارًا للدبلوماسية. أما إذا كان المعيار هو ما يشعر به الإيراني العادي في حياته اليومية، فإن الحكم يبدو أكثر تعقيدًا.

ربما تكشف التغطية الغربية الحالية عن مشكلة أوسع من الملف الإيراني نفسه: الشرق الأوسط حاضر دائمًا في الحسابات الاستراتيجية الكبرى، لكنه كثيرًا ما يغيب حين يتعلق الأمر بالإنسان الذي يعيش داخل هذه الحسابات.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما الذي كسبته واشنطن أو طهران من الاتفاق، بل ما إذا كان الإيرانيون أنفسهم سيشعرون يومًا أنهم كانوا جزءًا من القصة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى