العراق يضرب شرايين طهران المالية

✍️ بقلم / Alireza Rahmat

 

تفتح حملة مكافحة الفساد المتصاعدة في العراق باباً جديداً أمام واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد العراقي: العلاقة بين الفساد السياسي، والسلاح المنفلت، وشبكات التمويل المرتبطة بالنظام الإيراني. فالتطورات الأخيرة في بغداد، بما في ذلك توقيف عشرات المسؤولين وأعضاء في البرلمان، والتحفظ على مبالغ مالية ضخمة في ملفات مرتبطة بوزارة النفط، لا تبدو مجرد إجراءات قضائية معزولة، بل مؤشرات على محاولة جدية لضرب الشرايين المالية التي غذّت، طوال سنوات، نفوذ الميليشيات الموالية لطهران داخل العراق.

وتشير الأرقام المتداولة، ومن بينها الحديث عن توقيف نحو 47 شخصاً ومصادرة عشرات الملايين من الدولارات، إلى أن الملف يتجاوز حدود الفساد الإداري التقليدي. فالفساد في العراق لم يكن، في كثير من محطاته، مجرد سرقة أموال عامة، بل تحول إلى منظومة متداخلة من التهريب وغسل الأموال وتمويل الجماعات المسلحة، وهي منظومة استفاد منها النظام الإيراني لتعزيز حضوره السياسي والأمني والاقتصادي في العراق.

السلاح والمال في معادلة واحدة

تأتي هذه الحملة في توقيت بالغ الدلالة، عشية زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن، وفي ظل ضغوط متزايدة لحصر السلاح بيد الدولة ووقف تهريب الدولار والنفط. لذلك تبدو المداهمات الأخيرة، بما رافقها من تحرك آليات مدرعة في المنطقة الخضراء وتفتيش مجمعات ومقار مرتبطة بشخصيات نافذة، أقرب إلى اختبار مباشر لقدرة الدولة العراقية على مواجهة “حكومة الظل” التي بنتها الميليشيات على مدى سنوات.

وقد زادت أهمية هذه التطورات بعد إشارات أمنية عراقية إلى أن الإجراءات الجارية تدخل ضمن حملة أوسع ضد تمويل الجماعات المسلحة وعمليات تهريب الدولار والنفط الإيراني. وهذا يعني أن بغداد، تحت ضغط داخلي وخارجي، بدأت تقترب من جوهر المشكلة: لا يمكن استعادة سيادة الدولة من دون تجفيف مصادر تمويل الميليشيات التي تنازعها القرار والسلاح.

إن ربط مكافحة الفساد بملف السلاح المنفلت يضع العراق أمام معادلة واضحة. فكل شبكة مالية غير قانونية تعني عملياً استمرار قدرة الميليشيات على شراء الولاءات، وتمويل العمليات، وحماية نفوذها داخل مؤسسات الدولة. ومن هنا، فإن ضرب مصادر التمويل لا يقل أهمية عن أي إجراء أمني أو سياسي ضد هذه الجماعات.

من فيلق القدس إلى اقتصاد التهريب

ليست شبكات الفساد الحالية وليدة اللحظة. فمنذ عام 2003، عمل فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني على بناء نفوذ واسع داخل العراق عبر مزيج من المال والسلاح والولاءات السياسية. ومع مرور الوقت، تحولت بعض مؤسسات الدولة إلى ممرات لتمويل جماعات مسلحة، وتهريب النفط، والتحكم بسوق العملة، وإخراج الدولار من الدورة الاقتصادية العراقية لمصلحة شبكات مرتبطة بطهران.

وقد حذرت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، منذ السنوات الأولى التي أعقبت سقوط النظام السابق في العراق، من اتساع نفوذ فيلق القدس وشبكاته داخل البلاد. وكشفت في مراحل سابقة عن قوائم واسعة تضم آلاف العناصر والوكلاء المرتبطين بهذه الشبكات، كما وثقت في ملفات قانونية نهب ممتلكات معارضي النظام الإيراني في أشرف وليبرتي.

وتشير وثائق منشورة في كتاب “أموال أشرف”، الصادر في 735 صفحة، إلى مصادرة ونهب ممتلكات وأصول تعود لمجاهدي خلق قُدرت بنحو 650 مليون دولار. وتطرح هذه القضية، في بعدها السياسي والقانوني، نموذجاً مبكراً لكيفية عمل شبكات النفوذ المرتبطة بطهران: استخدام القوة السياسية والأمنية، ثم تحويل النهب إلى مورد مالي يخدم مشروع الهيمنة.

ومن هذه الزاوية، فإن ما يجري اليوم في بغداد ليس مفاجئاً. فالمنظومة التي بدأت بالسيطرة على ممتلكات الخصوم ونهب أموالهم، توسعت لاحقاً إلى الوزارات، وسوق النفط، والمنافذ، وسوق الدولار، حتى أصبحت جزءاً من الاقتصاد الموازي الذي تستند إليه الميليشيات في العراق.

اختبار السيادة العراقية

تكمن أهمية الحملة الحالية في أنها تضع الحكومة العراقية أمام اختبار صعب: هل ستبقى الإجراءات عند حدود توقيف بعض الأسماء، أم ستتطور إلى مسار حقيقي لتفكيك بنية الفساد المرتبطة بالسلاح والنفوذ الخارجي؟

فأي حملة لا تصل إلى مصادر التمويل الكبرى ستبقى ناقصة. المطلوب ليس فقط مصادرة الأموال المنهوبة، بل كشف مساراتها، وتحديد الجهات التي استفادت منها، وإغلاق قنوات تهريب النفط والدولار، ومحاسبة كل من وفر الغطاء السياسي أو الأمني لهذه الشبكات.

إن حرمان الميليشيات من الموارد المالية سيقيد قدرتها على الحركة داخل العراق، وسيضع آلة النفوذ الإقليمي للنظام الإيراني أمام أزمة حقيقية. فالمشروع الإيراني في العراق لم يقم على النفوذ السياسي وحده، بل على اقتصاد كامل من الفساد والتهريب والابتزاز. وحين تُضرب هذه الشبكات، تتراجع قدرة طهران على إدارة أذرعها وتمويل أدواتها.

ما يجري في العراق اليوم قد يكون بداية تحول مهم، إذا استمر بجدية ولم يتحول إلى حملة محدودة أو تصفية حسابات داخلية. فالمعركة الحقيقية ليست فقط ضد الفاسدين، بل ضد النموذج الذي جعل الفساد جسراً للهيمنة، والسلاح أداة لحماية المال المنهوب، والدولة غطاءً لمصالح قوى خارجية.

ولهذا، فإن نجاح بغداد في تفكيك هذه المنظومة لن يكون انتصاراً عراقياً داخلياً فحسب، بل ضربة مباشرة لأحد أهم شرايين نفوذ النظام الإيراني في المنطقة. فاستعادة المال العام، وحصر السلاح بيد الدولة، ووقف تهريب الدولار والنفط، هي في جوهرها خطوات لاستعادة القرار الوطني العراقي من قبضة طهران ووكلائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى