امل خضر تكتب : لن يُحاكم مجلس النواب بخطابه بل بما سيصنعه للأردن

 

✍️ امل خضر

هناك لحظات في عمر الدول لا تُقاس بعدد الجلسات ولا بعدد القوانين التي تُقر بل بقدرة مؤسساتها على استعادة إيمان الناس بها. و مع استئناف مجلس النواب أعماله لا يفتح المجلس دورة جديدة فحسب بل يفتح صفحة قد تكون من أكثر الصفحات حساسية في العلاقة بين الدولة والشارع الأردني.

فالأردنيون لا يدخلون هذا الاستحقاق السياسي بذات المزاج الذي دخلوا به دورات سابقة فالأحاديث التي ملأت وسائل التواصل الاجتماعي وما رافقها من نقاشات حول الواسطة والمحسوبية والفساد وما أثير من ملفات وتصريحات أحدثت جدلًا واسعًا كلها صنعت حالة من القلق والتساؤل حول قدرة المؤسسات على استعادة الثقة وترسيخ مبدأ أن القانون هو المرجعية الوحيدة التي لا يعلو عليها أحد.

الثقة ليست بيانًا رسميًا ولا حملة إعلامية ولا خطابًا تحت القبة. الثقة تُبنى عندما يشعر المواطن أن العدالة لا تعرف اسمًا ولا منصبًا ولا نفوذًا وأن الكفاءة هي الطريق الوحيد إلى المسؤولية، وأن الدولة تحاسب الجميع بالمعيار ذاته.
ومن هنا يبدأ الامتحان الحقيقي لمجلس النواب.
فالناس لم تنتخب نوابها ليكونوا شهودًا على الأحداث بل شركاء في صناعتها. ولم تمنحهم أصواتها ليكونوا صدىً للحكومة ولا خصمًا لها بل سلطة دستورية مستقلة تمارس التشريع برقابة مسؤولة وتحاسب بلا تردد، وتدافع عن المصلحة العامة دون حسابات ضيقة.
اليوم لم يعد السؤال كم قانونًا سيناقش المجلس؟ بل كم أزمة وطنية يستطيع أن يقترب من حلها؟
فالأردن يقف أمام تحديات اقتصادية لم تعد تحتمل التأجيل. البطالة ليست رقمًا في تقرير بل بيت ينتظر راتبًا وارتفاع كلفة المعيشة ليس مؤشرًا اقتصاديًابل امتحانًا يوميًا لكرامة الأسرة الأردنية. والاستثمار لا يهرب بسبب الجغرافيا بل بسبب بطء القرار، وتعقيد الإجراءات وأي شعور بعدم تكافؤ الفرص.
ولذلك فإن المجلس مطالب بأن يجعل الاقتصاد أولوية وطنية، لا من خلال الخطابات، بل عبر تشريعات تزيل البيروقراطية وتحمي المستثمر وتمنح الشباب فرصة حقيقية وتعيد الاعتبار للقطاع الخاص وتربط التعليم باحتياجات السوق وتراقب الإنفاق العام بكل شفافية ومسؤولية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس ضيق الموارد بل اتساع المسافة النفسية بين المواطن ومؤسساته. فحين يشعر الإنسان أن الفرصة قد تُحسم بالواسطة لا بالكفاءة وأن حقه قد يتأخر بينما تُفتح الأبواب لغيره فإن الخسارة لا تكون فردية، بل وطنية، لأنها تمس الإيمان بالعدالة، وهو رأس المال الحقيقي لأي دولة.
والملاحظ إن الإقليم يعاد تشكيله بوتيرة غير مسبوقة. خرائط المصالح تتغير والتحالفات تتحرك، والاقتصاد أصبح جزءًا من الأمن القومي، ولم يعد ممكنًا الفصل بين القرار السياسي والقرار الاقتصادي. وفي مثل هذه البيئة، يصبح البرلمان شريكًا في حماية الاستقرار، لا مجرد مؤسسة تشريعية تقليدية.
أما الحكومة، فإنها تدخل المرحلة المقبلة تحت مجهر الشارع قبل البرلمان. فالرهان اليوم ليس على كثرة الوعود، بل على سرعة الإنجاز وجودة الإدارة، ووضوح القرار. وكلما اقترب الأداء الحكومي من تطلعات المواطنين، ازدادت قوة الدولة، لأن الثقة هي الوقود الحقيقي للإصلاح.
وتتردد في الأوساط السياسية تساؤلات حول احتمال إجراء تعديل وزاري. ومهما كانت القرارات المقبلة فإن معيار النجاح لن يكون تبديل الوجوه بحد ذاته، بل مدى انعكاس أي تغيير على الأداء العام، وقدرته على دفع مسارات التحديث والإصلاح إلى الأمام بما يحقق المصلحة الوطنية.
لقد وضع جلالة الملك عبدالله الثاني رؤية واضحة لدولة حديثة تقوم على سيادة القانون، والشفافية والكفاءة، وتمكين الشباب وتحديث الإدارة والاقتصاد والحياة السياسية. ويبقى الرهان على قدرة السلطات والمؤسسات على ترجمة هذه الرؤية إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية، لا أن تبقى مجرد عناوين جميلة.
غدًا، لن يكون مجلس النواب أمام معارضة أو موالاة بل أمام امتحان الضمير الوطني. فإما أن يثبت أن البرلمان قادر على أن يكون صوت الدولة العادلة وصوت المواطن في آن واحد، وإما أن يزداد الشرخ بين الناس ومؤسساتهم، وهو ما لا يحتمله وطن يواجه تحديات داخلية وإقليمية متشابكة.
الأردن لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج السياسي، بل إلى هدوء القرار، وحسم التنفيذ، وشجاعة المراجعة. يحتاج إلى أن يشعر كل مواطن أن مكانه يصنعه اجتهاده، وأن مستقبله يحميه القانون، وأن الدولة تقف على المسافة نفسها من الجميع.
وغدًا لن تكون الأنظار متجهة إلى مقاعد النواب بل إلى مواقفهم. ولن يُقاس نجاح المجلس بعدد الجلسات، بل بعدد المرات التي أعاد فيها الأمل إلى الأردنيين، ورسّخ الثقة، وحمى الدستور، وجعل المصلحة الوطنية أعلى من كل اعتبار.
فالتاريخ لا يخلّد من حضر الجلسات بل يخلّد من غيّر مسار الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى