ريدان زاهر يكتب عن: السفير سالم بلفقية.. حينما تكسر الدبلوماسية قيود «الممكن»

 

بقلم / ريدان زاهر

لا يخفى على أي مغترب يمني، في أي بقعة من بقاع العالم، تلك الفجوة المزمنة التي سادت طويلاً بين المواطن وبعثاته الدبلوماسية؛ فجوةٌ غذّاها اعتقادٌ سائد لدى الكثير من البعثات بأن انكسار الحالة السياسية للدولة الأم يفرض بالضرورة انكفاءً قنصلياً، مما ولّد حالة من التردد في الدفاع عن قضايا المغتربين أو مواجهة السلطات المحلية، تحت ذريعة “ضعف الدولة” أو الخوف من “عدم التجاوب”.

وسط هذا المشهد الضبابي الذي يعاني منه اليمنيون في المهجر، برز معالي السفير سالم بلفقية في إندونيسيا ليقدم نموذجاً مغايراً كسر هذا النمط التقليدي، مبرهناً أن فاعلية السفارة لا ترتبط فقط بقوة المركز، بل بحيوية القيادة وقدرتها على اجتراح الحلول. لقد نقل معاليه عمل السفارة في جاكرتا من مجرد “مكتب بريد” لتصديق الأوراق، إلى “غرفة عمليات” ميدانية تتدخل في أدق تفاصيل حياة المواطن.

دبلوماسية الميدان: السجون والملفات العالقة

لم يكتفِ السفير بلفقية بالتقارير المكتبية، بل جسد مفهوم “المسؤولية المباشرة” بزياراته الميدانية لسجون مثل “سوكاميسكين” و”سيبينانغ”، لمتابعة أحوال اليمنيين الموقوفين. ولم يقف الأمر عند الزيارة الصورية، بل تم تأسيس خلية أزمة قانونية من محامين إندونيسيين، نجحت بالفعل في تفكيك تعقيدات ملفات كانت عالقة لسنوات، وأثمرت عن ترحيل حالات بعد إسقاط الغرامات عنها، في خطوة أعادت الثقة للمواطن بأن خلفه سنداً لا يتردد.

تفكيك العقد البيروقراطية: الهجرة والتجارة

في ممرات مديرية الهجرة العامة بجنوب جاكرتا وبكاسي، خاض السفير مفاوضات رفيعة المستوى لرفع “القائمة السوداء” عن العائلات التي تعثرت أوضاعها بسبب ظروف الحرب، وانتزع آلية لتسوية الأوضاع بضمانة السفارة. وبالتوازي مع ذلك، كان للمسار الاقتصادي نصيب الأسد؛ فمن خلال منصة “التاجر اليمني”، وتفعيل اللجنة التجارية المشتركة في يناير 2026، سعى معاليه لتذليل عقبات الشحن وتقليل التكاليف عبر الاستيراد المباشر، متدخلاً لدى السلطات الجمركية لفك احتجاز حاويات التجار اليمنيين بمرونة قانونية ذكية.

الاستثمار في الإنسان: التعليم والقوة الناعمة

لم تغب تطلعات الشباب عن أجندة السفير؛ فمن توقيع مذكرات تفاهم مع “جامعة إندونيسيا” لزيادة المنح، إلى الجولات التفقدية لسكن الطلاب في “ديبوك” و”باندونج”، وصولاً إلى اللقاءات الثقافية لتعزيز الهوية اليمنية. وفي “سورابايا”، أعاد ربط الجالية الحضرمية العريقة بجذورها، محفزاً الشباب على الانخراط في المجتمع المحلي ليكونوا سفراء لوطنهم الأم.

تحديث مؤسسي واستجابة سريعة

داخلياً، أحدث السفير ثورة رقمية أدت إلى تقليص وقت المعاملات من أيام إلى ساعات عبر نظام الحجز الإلكتروني. ولضمان الاستدامة، استحدث في أبريل 2026 “وحدة استجابة سريعة” للطوارئ، لتقديم الدعم القانوني الفوري لليمنيين في المطارات أو عند أي طارئ أمني، مما جعل الجالية تشعر للمرة الأولى بوجود مظلة رسمية تحميها.

الخلاصة:

إن ما حققه السفير سالم بلفقية، وصولاً إلى تحركاته الدولية مع الصليب الأحمر وسفراء مجلس التعاون، يثبت أن “فن الممكن” ليس مجرد شعار، بل هو إرادة وطنية صادقة. لقد أثبت معاليه أن اليمني لا ينتمي لدولة “ضعيفة” ما دام هناك من يمثلها بشموخ، ويحمل قضايا أبنائها كأولوية لا تقبل التأجيل. إننا أمام نموذج مشرف يستحق أن يُعمم على كافة بعثاتنا الدبلوماسية حول العالم، ليُعاد الاعتبار لكرامة اليمني أينما حل وارتحل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى