إيبولا يكشف هشاشة البنية الصحية… والكونغو تواجه سباقًا مع الزمن لاحتواء الوباء

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
لم يعد تفشي فيروس إيبولا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية مجرد أزمة صحية تُقاس بعدد الإصابات أو الوفيات، بل أصبح اختبارًا لقدرة دولة أنهكتها النزاعات المسلحة والنزوح الجماعي وضعف البنية التحتية على احتواء وباء سريع الانتشار. فبحسب ما أوردته وسائل إعلام دولية، من بينها وكالة أسوشيتد برس، نقلًا عن السلطات الصحية الكونغولية، ارتفعت الحصيلة حتى 4 أغسطس/آب 2026 إلى 3,802 إصابة مؤكدة و1,707 وفيات، بعد أقل من ثلاثة أشهر على إعلان التفشي رسميًا في 15 مايو/أيار. وتشير البيانات إلى أن مقاطعة إيتوري وحدها تستحوذ على نحو 90% من إجمالي الإصابات، فيما يُكتشف ما يقارب 80% من الحالات الجديدة خارج قوائم المخالطين، وهو مؤشر يقلق خبراء الأوبئة لأنه يعكس استمرار انتقال العدوى بعيدًا عن شبكات المراقبة الصحية.
وتُظهر البيانات الحديثة أن الوباء لا يزال يتوسع بوتيرة متسارعة. فقد أورد المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها (ECDC) في تحديثه الصادر 3 أغسطس تسجيل 3,748 إصابة و1,657 وفاة حتى الأول من أغسطس، بزيادة 306 إصابات و136 وفاة مقارنة ببيانات 28 يوليو/تموز. كما بلغت نسبة متابعة المخالطين 80.1%، وهي نسبة تُعد أفضل من الأسابيع الأولى، لكنها تبقى أقل من المستوى المطلوب لاحتواء التفشي عندما تكون غالبية الإصابات الجديدة غير مرتبطة بقوائم المراقبة. وفي شمال كيفو، بلغت الوفيات 262 حالة من أصل 400 إصابة، وهو معدل يرجحه خبراء الصحة إلى تأخر اكتشاف الحالات وصعوبة وصول المرضى إلى مراكز العلاج، أكثر من ارتباطه بتحور الفيروس نفسه.
وتكشف الوقائع الميدانية حجم التحدي الذي يواجه الفرق الطبية. فقد أورد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، في تقرير مصور نُشر 3 أغسطس، أن مركز العزل الانتقالي في كيغونزي قرب مدينة بونيا، والمكوَّن من ثمانية أسرّة فقط، كان يستقبل أربعة مرضى في الوقت نفسه، بينهم طفل يبلغ عامين فقد والده وكان ينتظر نتيجة الفحص. ونقل المكتب عن الطبيب فرانسيس بيغيريموامي شيبانفونيا، المسؤول عن المركز، قوله إن المنشأة تستقبل الحالات المشتبه بها قبل إحالتها إلى مراكز العلاج المتخصصة، فيما أوضح الطبيب سامبو من الهيئة الطبية الدولية أن المركز الجديد في بونيا سيضم 100 سرير ويعمل فيه أكثر من 300 طبيب وممرض وفني، في محاولة لزيادة القدرة الاستيعابية مع استمرار ارتفاع الإصابات.
غير أن الأزمة لا تقتصر على نقص الأسرة أو الكوادر، بل تمتد إلى البنية التحتية للاتصالات. فقد ذكرت الأمم المتحدة، عبر تقرير مجموعة الاتصالات في حالات الطوارئ (Emergency Telecommunications Cluster)، أن مدينة كيسانغاني أصبحت إحدى النقاط الرئيسية التي تتطلب توسيع خدمات الاتصالات، معلنة توزيع 20 جهاز Starlink Mini لدعم فرق الاستجابة، إلى جانب تنفيذ مسوحات لشبكات الراديو والكهرباء والاتصالات في المناطق المتضررة. وتؤكد الوكالات الأممية أن الاتصال لم يعد رفاهية تقنية، بل عنصرًا حاسمًا في سرعة نقل نتائج المختبرات، وتتبع المخالطين، وتنسيق سيارات الإسعاف، والتصدي للشائعات التي تعرقل الاستجابة الصحية.
وتزداد المهمة صعوبة مع استمرار القتال في شرق البلاد. فقد أوضح نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة، فرحان حق، خلال الإحاطة اليومية للأمم المتحدة، أن الاشتباكات في أوفيرا وفيزي ومونغي بمقاطعة جنوب كيفو أدت منذ منتصف يوليو إلى نزوح أكثر من 48 ألف شخص، وأغلقت طرقًا رئيسية وألحقت أضرارًا بمرافق صحية، كما دفعت عددًا من العاملين في القطاع الصحي إلى مغادرة مناطق عملهم. وأكدت الأمم المتحدة أن استعادة خدمات الاتصالات وفتح الطرق باتا شرطين أساسيين لضمان الإجلاء الطبي، وإيصال المساعدات، واستمرار حملات التتبع والرصد الوبائي.
وتواجه الاستجابة الصحية تحديًا آخر يتمثل في نقص التمويل وتعطل الجوانب الإدارية. فقد أشارت تقارير منظمة الصحة العالمية لإفريقيا إلى أن عدداً من العاملين الصحيين دخلوا في إضرابات بسبب تأخر صرف مستحقاتهم المالية، في وقت طلبت فيه الحكومة الكونغولية إجراء مراجعة لحسابات أموال الاستجابة للوباء. كما حذر المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في إفريقيا، الدكتور محمد يعقوب جنابي، في 17 يوليو/تموز، من أن أكثر من 80% من الإصابات الجديدة تُكتشف خارج قوائم المخالطين، مشيرًا إلى أن فجوة تمويل خطة الاستجابة تجاوزت 400 مليون دولار، وهو ما يهدد قدرة الفرق الطبية على مواصلة عمليات الاحتواء.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن نجاح الاستجابة لن يقاس بعدد مراكز العزل التي تُفتتح أو الأسرة التي تُضاف، بل بقدرة السلطات وشركائها الدوليين على اكتشاف الإصابات مبكرًا، وضمان وصول المرضى إلى العلاج، واستعادة ثقة السكان في النظام الصحي، وتأمين شبكات الاتصال والطرق في مناطق النزاع. ومع استعداد لجنة اللوائح الصحية الدولية لعقد اجتماعها في 18 أغسطس/آب، واستمرار الأبحاث حول لقاحات وعلاجات أكثر فاعلية لسلالة بونديبوغيو، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع المجتمع الدولي بناء منظومة صحية واتصالية أسرع من سرعة انتشار الفيروس في منطقة ما زالت الحرب فيها جزءًا من الحياة اليومية؟



