حين يصبح الدفاع عن الدولة موقفًا

تونس – عين اخبار الوطن
✍️ الكاتب / مرشد السماوي
ردّ الأستاذ حازم القصوري على حملات التشويه
على إثر عودته إلى أرض الوطن من الأراضي المقدسة بعد أداء مناسك العمرة، عاد الأستاذ حازم القصوري، المحامي والناشط الدولي، إلى تونس في لحظة يتواصل فيها الجدل السياسي والإعلامي حول عدد من القضايا الوطنية، ليجد نفسه، وفق ما عبّر عنه، في مواجهة حملة استهدفت شخصه ومواقفه.
غير أن اختزال الرجل في هذه الحملة أو في سجال عابر على شبكات التواصل الاجتماعي يتجاهل مسارًا أكاديميًا ومهنيًا وفكريًا طويلًا.
فالأستاذ حازم القصوري متحصل على ماجستير في العلوم السياسية وماجستير في القانون الدولي، ورافع في قضايا تتعلق بحرية التعبير والصحافة وملفات ذات صلة بأمن الدولة، كما كانت له مشاركات وطنية ودولية، وكتب عددًا من المقالات، وعلّق على قضايا تونسية ودولية، وانخرط في نقاشات تتصل بالسياسة والقانون والأمن والعلاقات الدولية.
كما كان عضوًا في التحالف الدولي للحد من الأسلحة، في إطار اهتمامه بالملفات الدولية المرتبطة بالأمن والنزاعات المسلحة والحد من انتشار الأسلحة.
لكن وراء هذا المسار المهني والأكاديمي، توجد مرجعية فكرية يرى القصوري أنها تفسر جانبًا أساسيًا من مواقفه: المدرسة الإصلاحية التونسية بمختلف امتداداتها، بما راكمته من أفكار ساهمت في بناء تونس الحديثة.
فالمدرسة الإصلاحية، في قراءته، لم تكن مجرد مرحلة تاريخية، وإنما تراث فكري يقوم على الإصلاح، والعلم، والتعليم، والقانون، وبناء المؤسسات، والانفتاح على العصر مع الحفاظ على الشخصية الوطنية.
ومن هذه المرجعية ينظر الأستاذ حازم القصوري إلى الدولة الوطنية باعتبارها ثمرة لمسار تاريخي طويل، لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد أداة سياسية عابرة.
ومن هنا يأتي دفاعه عن الدولة.
فهو يرى أن الدفاع عن الدولة لا يعني الدفاع عن كل مسؤول، ولا منح أي سلطة شيكًا على بياض، وإنما يعني الدفاع عن مؤسسات الدولة، وسيادتها، واستقلال قرارها، وقدرتها على تطبيق القانون وحماية مواطنيها.
وفي الوقت نفسه، فإن خلفيته كمحامٍ رافع في قضايا حرية التعبير والصحافة وملفات أمن الدولة تجعله يؤكد أن حماية الدولة لا ينبغي أن تكون على حساب الحقوق والحريات.
ففي رؤيته، يمكن أن تجتمع الدولة القوية مع دولة القانون، والسيادة مع الحرية، والأمن مع ضمانات الدفاع.
ومن هنا تتشكل معادلة أساسية في خطابه:
لا دولة قوية بلا قانون، ولا قانون قوي بلا حقوق، ولا حرية مسؤولة بلا احترام للآخرين وللمؤسسات.
أما سياسيًا، فيتبنى الأستاذ حازم القصوري موقفًا معلنًا مناهضًا للمشروع الإخواني ولما يصفه بفلول الاستعمار، ويربط هذا الموقف برفضه لما يعتبره مشاريع تقوم على التبعية أو الاستقواء بالخارج أو وضع الولاءات التنظيمية والسياسية فوق مصلحة الدولة الوطنية.
وهو يقدم هذا الموقف باعتباره خلافًا سياسيًا وفكريًا، لا خصومة شخصية مع الأفراد.
فالدين، في تصوره، جزء من هوية المجتمع التونسي، لكن توظيفه في الصراع على الدولة وتحويله إلى أداة حزبية أو سياسية هو محل رفض لديه.
وفي المقابل، فإن الانفتاح على العالم لا يعني، في رؤيته، الانفتاح على التبعية.
فحصوله على ماجستير في القانون الدولي والعلوم السياسية، ومشاركاته الدولية، وكتاباته وتعليقاته حول القضايا الدولية، تعكس اهتمامًا بالعالم وبالعلاقات الدولية، لكن من موقع يرى أن تونس يجب أن تتفاعل مع العالم من موقع دولة ذات سيادة، لا من موقع تابع.
ومن هنا يربط القصوري بين المدرسة الإصلاحية وموقفه المعاصر:
الإصلاح دون تبعية، والانفتاح دون ذوبان، والحداثة دون قطيعة مع الهوية، والدولة دون استبداد، والحرية دون فوضى، والسيادة دون عزلة.
وفي مواجهة الحملات التي تحدث عنها، اختار الأستاذ حازم القصوري أن يجعل القانون هو الإطار.
فهو، بحكم مهنته، يعرف أن الخلاف السياسي لا يحسم بالتشهير، وأن الاتهامات لا تصبح حقائق بمجرد تداولها، وأن الكلمة المنشورة تترتب عليها مسؤولية.
ومن يملك دليلًا فليقدمه، ومن يختلف معه سياسيًا فليواجهه بالحجة، ومن يرى خطأ في موقفه فليناقشه بالنقد الموضوعي.
أما الثلب والتلفيق والتشهير، متى ثبتت، فلا يمكن اعتبارها شكلًا من أشكال المعارضة السياسية أو حرية التعبير المسؤولة.
وهنا يصبح الدفاع عن الدولة موقفًا متكاملًا: الدفاع عن المؤسسات، والدفاع عن السيادة، والدفاع عن القانون، وفي الوقت نفسه الدفاع عن حرية التعبير وحقوق الدفاع.
وقد يختلف معه البعض في مواقفه من التيارات السياسية أو في قراءته لبعض مراحل التاريخ التونسي، وهذا أمر طبيعي في المجال العام. لكن مواقفه، كما يقدمها، تستند إلى مرجعية واضحة ومسار أكاديمي ومهني وإعلامي متواصل.
فالأستاذ حازم القصوري ليس حاضرًا في النقاش العام من موقع سياسي فقط؛ بل من موقع محامٍ، وأكاديمي في العلوم السياسية والقانون الدولي، وكاتب ومعلّق، وصاحب مشاركات وطنية ودولية.
ومن الأراضي المقدسة إلى أرض الوطن، عاد الرجل ليواصل مساره في الدفاع عما يعتبره ثوابت تونس: الدولة الوطنية، السيادة، القانون، الإصلاح، والهوية الوطنية.
وهو يرى أن تونس لا يمكن أن تكون ساحة لتصفية الحسابات، ولا ورقة في صراعات الخارج، ولا مجالًا للتبعية لأي جهة.
فالاختلاف السياسي حق، والمعارضة حق، والنقد حق، لكن الوطن يبقى فوق كل ذلك.
وفي نهاية المطاف، يمكن اختزال رؤيته في مجموعة من المبادئ:
تونس أولًا.
الدولة أولًا.
الإصلاح والبناء لا الهدم.
الحرية حق ومسؤولية.
السيادة الوطنية ليست محل مساومة.
والقانون فوق الجميع.
إن الدفاع عن الدولة، بالنسبة إلى الأستاذ حازم القصوري، ليس موقفًا ظرفيًا فرضته حملة أو سجال سياسي؛ بل هو، كما يراه، امتداد لقناعة فكرية تنتمي إلى روح المدرسة الإصلاحية التونسية: بناء الإنسان، وترسيخ القانون، وتقوية المؤسسات، وحماية السيادة، والانفتاح على العالم من موقع الندية.



