حين تصبح الإغاثة اقتصادا للحرب: أين ذهبت 33 مليار دولار في اليمن؟

بقلم ✍️ البلفسور أ / موسى علايه
منذ عام 2014 وحتى أغسطس 2026، تلقى اليمن ما يقارب 33 مليار دولار من التمويل الإنساني الدولي المبلغ عنه. رقم هائل يفترض، نظريا، أن يترك أثرا عميقا في حياة اليمنيين. لكن نتائج قاعدة البيانات التي طورها الفريق البحثي الذي أقوده حول فاعلية المساعدات الإنسانية في اليمن تكشف عن صورة أكثر تعقيدا، وتطرح سؤالا جوهريا: كم يصل فعليا إلى المستفيد؟
وفقا لتقديراتنا المستندة إلى قاعدة البيانات، يذهب نحو 51% من التمويل إلى التكاليف التشغيلية والإدارية والمؤسسية المرتبطة بمنظومة إيصال المساعدات الدولية أي الأمم المتحدة وبناتها. وبحساب ذلك من إجمالي 33 مليار دولار، فإننا نتحدث عن نحو 16.83 مليار دولار مبلغ منهوب دوليًا.
يتبقى بعد ذلك نحو 16.17 مليار دولار. وتشير تقديراتنا إلى أن قرابة 70% من هذا الجزء يتعرض لأشكال مختلفة من التسرب والفساد والاستحواذ وإعادة التوجيه المرتبطة بأطراف الصراع وبعض شبكات التنفيذ والمنظمات، أي ما يعادل نحو 11.32 مليار دولار. ووفقا لتقديرات قاعدة البيانات، استحوذت مناطق سيطرة الحوثيين على حوالي 7 مليارات دولار من هذا المبلغ، بينما توزع الباقي، أي نحو 4.32 مليارات دولار، بين مناطق وقوى وشبكات مختلفة في جنوب اليمن ووسطه وشرقه.
وبذلك لا يتبقى، حسابيا، على مستوى المستفيدين سوى نحو 4.85 مليارات دولار، أي قرابة 14.7% فقط من إجمالي التمويل الأصلي. وحتى هذا الجزء لا يعني بالضرورة وصوله كاملا إلى المستفيد النهائي، إذ يظل معرضا لأشكال أخرى من التسرب والفساد على المستوى المحلي.
هذه الأرقام، إذا قرئت في سياق الحرب اليمنية، تكشف جانبا أساسيا مما أسميه اقتصاد الحرب الإنساني. فالمساعدات لا تعمل في فراغ، وإنما تمر عبر منظومة دولية ومحلية، وأطراف صراع، وشبكات مصالح ووسطاء، لكل منها قدرة متفاوتة على اقتطاع جزء من الموارد أو التأثير في مسارها.
لذلك لم يعد السؤال، بعد أكثر من عقد من الحرب: كم قدم العالم لليمن؟ السؤال الأهم هو: كم وصل إلى اليمني الذي جمعت هذه المليارات باسمه؟
حين تتحول الأزمة الإنسانية إلى مصدر مستدام للموارد والدخل والنفوذ، يصبح استمرار الأزمة مصلحة اقتصادية لبعض الفاعلين. وهنا تكمن المفارقة الأخطر: المساعدات التي يفترض أن تخفف آثار الحرب قد تصبح، عندما تضعف الرقابة والمساءلة، جزءا من الاقتصاد الذي يعيش على استمرارها.
وهذا تحديدا هو اقتصاد الحرب الذي لا يمكن فهم استمرارية الصراع في اليمن من دون تفكيك شبكاته، وتتبع مسارات أمواله، والكشف عن المستفيدين منه. نحن أمام مسارين متوازيين، مسار ينهب على المستوى الدولي ويعطي شرعية للنهب على المستوى المحلي والعكس صحيح.
من صفحة الكاتب على فيسبوك



