بناء المجتمع الفاضل والدولة الحديثة في ضوء الميثاق الوطني والمؤتمر الشعبي العام

✍️ بقلم أ / أحمد العشاري

​يقوم البناء المجتمعي الرشيد في التصور القرآني على منظومة متكاملة من القيم والمفاهيم العميقة، التي تهدف إلى تحرير الإنسان، إقرار العدل، وحماية المجتمع من الفساد والاستبداد. وتتجلى هذه المنظومة في عشر ركائز أساسية تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتضبط بوصلة الحياة العامة، علمًا بأن لكل ركيزة قوانينها ونظمها الخاصة المناط بالبشر سنُّها لتنظيمها، وتحديد أطراف مسؤولية القيام بها، لبلوغ مقاصدها وغاياتها المنشودة.
​الركائز العشر لبناء المجتمع الصالح
​الحرية: أساس الكرامة الإنسانية ومنطلق الاختيار الواعي، قال تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ).
​المساواة: إلغاء التميز والتفاضل بين البشر بالاعتبارات العرقية أو القبلية، وإقرار وحدة الأصل الإنساني والكرامة المتساوية أمام القانون، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
​الشورى: منهج اتخاذ القرار المؤسسي والتشاركي، بعيداً عن الاستبداد، قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ).
​النصيحة: التناصح والتعاون على البر والتقوى، وتوجيه المسؤولين والأمة نحو الخير بأمانة وإخلاص.
​البيعة: العقد الاجتماعي والسياسي القائم على الرضا والقبول واختيار القيادة بكامل الإرادة الشعبية.
​الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: صمام الأمان المجتمعي لحراسة الفضيلة ومحاربة الرذيلة والفساد، قال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ).
​الأمانة: أداء الحقوق والوظائف والمسؤوليات لمستحقيها بكفاءة ونزاهة، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا).
​العدل: الميزان الحساس لإقامة الحياة وحفظ الحقوق بغض النظر عن الاعتبارات الشخصية، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ).
​الإحسان: قيمة التفضل والعطاء وبلوغ الغاية في إتقان العمل ومضاعفة الخير، وهو المتمم للعدل.
​الزكاة: الركيزة الاقتصادية والاجتماعية للتكافل وتقليص الفوارق وتحقيق العدالة المالية بين أفراد المجتمع.
​توافق الأصالة والمعاصرة في الدولة المدنية
​إن هذه المبادئ والقيم القرآنية العميقة لا تقتصر على كونها أحكاماً أخلاقية عامة فحسب، بل إنها تفتح الباب واسعاً أمام العقل البشري للاجتهاد وسن النظم والقوانين الإدارية والتشريعية المناسبة لكل زمان ومكان لتنظيمها وتفعيلها. وهي في جوهرها وجملتها تمثل ركائز ومبادئ الدولة المدنية الحديثة بمضامينها ومسمياتها الديمقراطية والحقوقية؛ فالحرية، والمساواة، والشورى (المتمثلة في الديمقراطية ومأسسة القرار والمشاركة الشعبية)، والعدل (الذي تقوم عليه سيادة القانون واستقلال القضاء)، والأمانة والزكاة، كلها مفاهيم تلتقي تماماً مع غايات الدولة القائمة على المواطنة المتساوية والتشريعات التنظيمية الحديثة.
​ومن هنا، يتبين بجلاء أنه لا تعارض ولا تناقض أبداً بين هذه القيم الإرشادية الأصيلة وبين آليات ومصطلحات الدولة الحديثة؛ بل يكمل بعضها بعضاً لتحقيق غايات الشريعة في حفظ مصالح العباد وإعمار الأرض.
​الميثاق الوطني والمؤتمر الشعبي العام: مشروع وطني حداثي إسلامي
​تجسيداً لهذه القيم الحية على أرض الواقع، قامت هذه الركائز لتشكل المنطلق الفكري والأسس النظرية للميثاق الوطني كَمشروع وطني حداثي إسلامي جامع، والذي تبناه المؤتمر الشعبي العام واعتبره دستوراً فكرياً وعقدًا اجتماعيًا ينظم الحياة السياسية والوطنية. فقد حمل المؤتمر الشعبي العام على عاتقه مهمة ترجمة هذه المبادئ وتجسيدها في الواقع العملي للدولة والمجتمع؛ موفقاً ببراعة بين روح الشريعة الإسلامية السمحة ومستجدات بناء الدولة المدنية الحديثة القائمة على التداول السلمي للسلطة، والمشاركة الشعبية، وسيادة القانون.

نفل من صفحة الكاتب على فيسبوك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى