بركان تحت رماد طهران: حين تسبق الحواضن الشعبية قرارات الانهيار الاقتصادي

بقلم / د. سامي خاطر
الاقتصاد السياسي للأزمة: البنزين كفتيل للغضب المكتوم
لا يمكن قراءة الحزمة الواسعة من العمليات الميدانية التي ضربت العمق الإيراني بمعزل عن السياق الهيكلي للاقتصاد السياسي المتأزم في البلاد. إن التلويح الحكومي برفع أسعار الوقود، وتحديداً مادّة البنزين، لا يمثل مجرد إجراء مالي عابر لترقيع عجز الموازنة، بل يشكل صدمة معيشية في بلد تعاني فيه الطبقات الوسطى والمسحوقة من تداعيات التضخم المفرط وتآكل القوة الشرائية. وتمثل سياسات الدعم الموجهة نحو إعادة هيكلة الطاقة نافذة تفاقم الضغط على المواطن الإيراني البسيط، ولاسيما أن التقارير المستقلة تشير إلى أن جزءاً معتبراً من أزمة شح الوقود واستنزافه يعود أصلاً إلى الاستهلاك المفرط وغير المنضبط من قبل المؤسسات الأمنية وقوات القمع لتسيير آليات القمع وفرض السيطرة الأمنية. من هنا، تحول البنزين من سلعة استهلاكية أساسية إلى مؤشر بصري ومحسوس على عجز الدولة عن إدارة الموارد، مما جعل أي مساس بأسعاره بمثابة إشعال لفتيل غضب جماعي مكتوم يتحفز للانفجار في أي لحظة.
جغرافية الغضب المشتعلة: من العاصمة إلى أطراف الجغرافيا الإيرانية
اتسم الحراك الأخير بنوع من اللامركزية الميدانية والاتساع الجغرافي اللافت، حيث لم يعد الغضب حكراً على العاصمة طهران، بل امتد ليعانق أكثر من ثلاثين مدينة رئيسية ومركزية، شملت مشهد، وشيراز، وكرج، ويزد، وكرمانشاه، وأراك، وبندر عباس، وخرم آباد، وإيلام، وزاهدان، وسراوان، وسرباز، وزابل، وبابل، وتشابهار، ودزفول، وغيرها من المدن الممتدة على أطراف الخريطة الإيرانية. إن هذا الانتشار العرضي والواسع يعكس تآكلاً عميقاً في “العمق الاستراتيجي الداخلي” للنظام، ويؤكد أن السخط لم يعد نخبوياً أو محصوراً في قطاعات محددة، بل بات ظاهرة عابرة للقوميات والطبقات والمناطق. إن قدرة الخلايا والوحدات النشطة على تنفيذ ستين عملية متزامنة في ليلة واحدة تؤشر إلى مستوى عالٍ من التنظيم الميداني، والقدرة على الاختراق والتأمين، وتحدي المنظومات الأمنية المفرطة في التمركز والتشدد في عموم المحافظات الإيرانية.
تفكيك بنية الأهداف: استهداف رموز الهيمنة الإيديولوجية والأمنية
حملت العمليات الميدانية دلالات رمزية ووظيفية عالية النبرة، إذ لم تكن مجرد ردود فعل عشوائية، بل استهدفت مفاصل حيوية تشكل عصب المنظومة القمعية والسياسية. فقد طالت الهجمات مراكز الباسيج التابعة لقوات الحرس التي تعمل تحت أغطية مختلفة مثل “تعبئة الطلاب”، إضافة إلى مؤسسات مالية وإيديولوجية نافذة مثل “ممثلية الولي الفقيه للحج والزيارة” في طهران، وبلدية مشهد التي تستخدم كأداة للنهب والسيطرة. كما امتدت الضربات لتستهدف مقرات التجسس التابعة لوزارة المخابرات ومراكز تجمعات القوات الأمنية، وصولاً إلى إحراق لوحات وصور الرموز القيادية والعليا للنظام، وضرب مراكز الحوزات الدينية المكرسة لفرض الهيمنة العقائدية. إن هذه الهندسة في اختيار الأهداف تعبر عن وعي سياسي متقدم لدى الوحدات المنفذة، بأن إسقاط هيبة النظام يبدأ بتفكيك مظاهره الأمنية والمؤسسية المنتشرة في الأحياء والمدن، وإسقاط الرمزية المقدسة التي تستند إليها شرعيته المتآكلة.
المآلات الجيوسياسية: تآكل الردع الداخلي وانكشاف الدولة الرخوة
تترك هذه التطورات الميدانية المتلاحقة بصمات عميقة ومباشرة على المعادلة الجيوسياسية الداخلية والخارجية لإيران. فعلى الصعيد الداخلي، تؤكد هذه العمليات أن سياسة القبضة الحديدية والردع الأمني المفرط لم تعد تكبح جماح الاحتجاج المنظم أو تقضي على جذوة المقاومة المجتمعية. ومع ترديد هتافات مناهضة لقمة الهرم السياسي والرموز التاريخية والمعاصرة، إلى جانب إبراز بدائل تنظيمية وسياسية في الشارع مثل “جيش التحرير الوطني الإيراني”، يرسل الحراك رسالة واضحة بأن الشارع الإيراني بات يتجاوز مرحلة المطالب الإصلاحية المعيشية إلى مرحلة المطالبة الجذرية بتغيير النظام. استراتيجياً، يضع هذا الواقع صانع القرار الإيراني أمام معضلة كبرى: فالتراجع عن رفع أسعار البنزين يظهر النظام بمظهر الضعيف أمام الشارع، والمضي قدماً في تنفيذه يكشف البلاد لموجة اضطرابات أوسع وأعنف قد لا تملك الأجهزة الأمنية القدرة على احتوائها، مما ينذر بمرحلة بالغة الخطورة والسيولة على مستقبل الاستقرار في المنطقة برمتها.
د. سامي خاطر آكاديمي و أستاذ جامعي



