السعودية ومدن الذكاء الاصطناعي: تحوُّل التقنية من خدمة رقمية إلى أسلوب حياة

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
نيويورك – زينة بلقاسم – الأمم المتحدة
لم تعد المنافسة بين المدن تُقاس بعدد الأبراج أو الطرق السريعة وحدها، بل بسؤال أكثر تعقيدًا: هل تستطيع المدينة أن تفكر قبل أن تقع المشكلة؟ هذا هو جوهر الصورة التي عرضها المدير العام والرئيس العالمي للمدن الذكية في مجموعة بوسطن كونسلتينغ BCG أكرم عوض في تصريحات لـ«الشرق بلومبرغ» على هامش مؤتمر LEAP 2026، حين تحدث عن وجود خمس مدن سعودية ضمن 61 مدينة عالمية تناولها أحدث مؤشر للمجموعة. والحديث يجد أساسه في تقرير BCG الصادر في 27 يوليو/تموز 2026، والذي يقيس للمرة الأولى نضج «المدن الذكية» عبر خمسة محاور: النتائج التي يلمسها السكان، والاستراتيجية، وتبني التكنولوجيا، وآليات العمل والحوكمة، والممكنات من بنية تحتية وتمويل ومواهب. وتصدرت لندن ودبي ونيويورك وواشنطن وأمستردام الترتيب العالمي، لكن اللافت سعوديًا أن الرياض والمدينة المنورة وجدة ومكة المكرمة والدمام حضرت جميعها في القائمة.
والأرقام تكشف أن المدن الخمس ليست في المرحلة نفسها. فقد جاءت الرياض في المرتبة 32 عالميًا برصيد 67 نقطة، والمدينة المنورة 37 بـ63 نقطة، وجدة 46 بـ59 نقطة، ومكة المكرمة 50 بـ58 نقطة، والدمام 54 بـ55 نقطة. وهذا يعني أن السعودية لم تصل بعد إلى مستوى المدن الخمس الأولى، لكنه يعني أيضًا شيئًا أكثر أهمية: التجربة لم تعد محصورة في العاصمة. فالتحول الرقمي يمتد من مدينة سياسية واقتصادية بحجم الرياض إلى مدينتين تستقبلان ملايين الحجاج والمعتمرين، ثم إلى جدة بوصفها بوابة تجارية وبحرية، والدمام في قلب المنطقة الصناعية والطاقة. ووفق تصنيف BCG، تقع الرياض ضمن فئة المدن «المتسارعة»، بينما تقع المدن السعودية الأربع الأخرى ضمن فئة «الناشئة» في النضج الذكي.
لكن الرقم الأكثر إثارة لا يأتي من ترتيب 2026 وحده. ففي تقرير آخر أصدرته BCG خلال العام نفسه بعنوان Cities of Choice 4.0 لقياس سرعة تغير المدن بين 2014 و2024، جاءت الرياض ثانية عالميًا في سرعة التحول برصيد 91 نقطة من 100 بعد شنتشن الصينية التي سجلت 92. وجاءت مكة سابعة عالميًا بـ81 نقطة، وجدة تاسعة بـ80، والدمام في المرتبة 11 بـ79، والمدينة المنورة في المرتبة 12 بـ77. والأكثر دلالة أن الرياض حصلت على 100 نقطة في سرعة التحسن في التفاعل مع الحكومة، ومكة والدمام على 96 لكل منهما، وجدة على 92 والمدينة على 91. وخلصت BCG إلى أن المراكز العشرة الأولى في هذا المجال تهيمن عليها مدن سعودية وإماراتية، بالتوازي مع تحسن مؤشر الأمم المتحدة لتطور الحكومة الإلكترونية.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية. المدينة الذكية ليست مدينة مليئة بالشاشات؛ إنها مدينة تحول البيانات إلى قرار. ففي الرياض، على سبيل المثال، تعمل الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» مع جهات حكومية على منصة وطنية للمدن الذكية تستخدم نماذج المحاكاة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي وتعرض مؤشرات تشغيلية لحظية لقطاعات حيوية. كما طُورت أدوات تستخدم الكاميرات والذكاء الاصطناعي لرصد مظاهر التشوه البصري أسبوعيًا، مع خطة لتوسيع التجربة إلى أربع مدن أخرى. وهذه التفاصيل تساعد في تفسير لماذا قفزت الرياض سابقًا 25 مركزًا خلال عام واحد في مؤشر IMD للمدن الذكية لعام 2024، بينما قفزت المدينة المنورة 11 مركزًا، ودخلت الخبر المؤشر للمرة الأولى. أي إن التحول الذي يظهر اليوم في تصنيف BCG لم يبدأ في 2026، بل تراكم عبر سنوات من بناء البنية الرقمية وربطها بالخدمات الحكومية.
غير أن أكرم عوض، وهو متخصص في الذكاء الاصطناعي والبيانات والتحول الرقمي وله خبرة تتجاوز عشر سنوات في الاستشارات والتكنولوجيا، يضع قيدًا مهمًا على الاحتفال بالأرقام: التكنولوجيا وحدها لا تصنع مدينة ذكية. ويخلص تقرير BCG الذي شارك في إعداده إلى وجود ما يشبه «الدائرة الحميدة»؛ فكلما استخدم السكان الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي بصورة أكبر وتحسنت تجربتهم معها، ارتفع الرضا، وهو ما يشجع الحكومات على توسيع الخدمات، فتزداد درجة النضج. لكن هذه الدورة تتوقف عندما تتوسع التطبيقات أسرع من الحوكمة والبنية التحتية والتمويل والمواهب. ولذلك يؤكد التقرير أن النجاح يتطلب الجمع بين التقنية وبين مؤسسات قادرة على تشغيلها على نطاق مدينة كاملة.
والأرقام العالمية تدعم هذه الفكرة. فقد وجدت BCG أن المدن الواقعة ضمن الثلث الأعلى عالميًا في تبني الذكاء الاصطناعي تحقق نتائج أفضل في جودة الحياة، وأن الاستخدام والرضا عن التطبيقات يميلان إلى الارتفاع في المدن ذات السكان الأصغر سنًا؛ إذ تقع عدة مدن يزيد فيها من هم دون 35 عامًا على نصف السكان ضمن المجموعة المتميزة في الاستخدام. وهذه نقطة تمنح السعودية أفضلية ديموغرافية مهمة: مجتمع شاب، وانتشار واسع للهواتف والخدمات الحكومية الرقمية، وقدرة مالية على الاستثمار في البنية التحتية. لكن التقرير نفسه يحذر ضمنيًا من الاعتقاد بأن شراء التقنية يكفي؛ فالمدينة قد تمتلك أفضل تطبيق في العالم، لكن التطبيق لا يحل أزمة نقل أو إسكان أو ازدحام أو بيئة إذا لم تتحول البيانات التي يجمعها إلى سياسة عامة.
ولذلك فإن المقارنة مع دبي، الثانية عالميًا في مؤشر BCG، مهمة للسعودية أكثر من المقارنة مع مدن بعيدة جغرافيًا. فدبي تتصدر عالميًا محور تبني التقنيات الذكية، بينما تتصدر لندن «النتائج»، ومدريد «الاستراتيجية»، ونيويورك «طرق العمل»، وأمستردام «الممكنات». وهذه واحدة من أهم نتائج الدراسة: لا توجد مدينة واحدة تتصدر كل شيء. حتى لندن، صاحبة المركز الأول، لا تمتلك النموذج الكامل. وهذا يعني أن الطريق أمام الرياض لا يتمثل في تقليد لندن أو دبي، بل في تحويل نقاط قوتها في الحكومة الرقمية وسرعة التنفيذ إلى نتائج يومية يستطيع المواطن والمقيم قياسها في الطريق والمنزل والمستشفى والمدرسة والبلدية.
والمثير أن السعودية تظهر بقوة أيضًا في سرعة التغيير لا في التكنولوجيا فقط. فدراسة BCG الممتدة لعشر سنوات وجدت أن قائمة أسرع عشرين مدينة تغيرًا تهيمن عليها مدن الشرق الأوسط والصين؛ وتأتي الرياض مباشرة بعد شنتشن، متقدمة على مدن آسيوية وغربية كثيرة. ويرى التقرير أن مدن الشرق الأوسط حققت مكاسب كبيرة في الفرص الاقتصادية وجودة الحياة والثقة بالخدمات الحكومية، في وقت تحركت فيه مدن أوروبية بوتيرة أبطأ. وهذا يعطي التجربة السعودية بعدًا استراتيجيًا: المنافسة لم تعد فقط مع أبوظبي ودبي والدوحة، وإنما مع شنتشن وشنغهاي وبكين وسنغافورة ولندن ونيويورك على رأس المال والمواهب والشركات والابتكار.
لكن الصورة تحتاج أيضًا إلى قدر من الحذر. فقد أشار تحليل سعودي نقدي لمنهجية تقارير BCG إلى أن بعض الدراسات تعتمد على عينات استطلاع محدودة نسبيًا — نحو 300 شخص لكل مدينة في تقرير Cities of Choice — وأن المقارنات بين مدينة مثل مكة، بخصوصيتها الدينية والاجتماعية، ومدن غربية ذات أنظمة إدارة محلية مختلفة ليست دائمًا مقارنة مثالية. كما أن ارتفاع استخدام الخدمات الرقمية بين الفئات الأصغر سنًا أو الأعلى دخلًا لا يعني تلقائيًا أن التجربة نفسها تصل بالسهولة ذاتها إلى كبار السن وذوي الدخل المحدود وذوي الإعاقة. وهذا الاعتراض لا يلغي التقدم السعودي، لكنه يضع معيارًا أكثر صعوبة للمرحلة المقبلة: المدينة الأذكى ليست التي تجمع بيانات أكثر، وإنما التي تمنع التكنولوجيا من خلق فجوة جديدة بين سكانها.
ثم تأتي المعضلة الأصعب: التوسع والاستدامة والحوكمة. فكل كاميرا ومستشعر ومنصة للذكاء الاصطناعي تضيف قدرة جديدة للمدينة، لكنها تضيف في الوقت نفسه أسئلة حول حماية البيانات والخصوصية والأمن السيبراني، ومن يملك البيانات، ومن يستطيع الوصول إليها، وكيف تُراجع قرارات الخوارزميات عندما تمس حياة الناس. ولذلك يضع مؤشر BCG «طرق العمل» و«الممكنات» إلى جانب «التبني»، ولا يعتبر عدد التطبيقات معيارًا كافيًا. والرسالة الاستراتيجية هنا للسعودية واضحة: الانتقال من مشروع ناجح في حي أو قطاع إلى منظومة تعمل لملايين السكان يتطلب شراكات بين الحكومة والقطاع الخاص، ومعايير موحدة للبيانات، وتمويلًا طويل الأجل، وكفاءات بشرية، وحوكمة تستطيع مواكبة سرعة الذكاء الاصطناعي.
وهنا قد تكون قصة المدن السعودية أكبر من ترتيب في تقرير دولي. فالمملكة تحاول، ضمن رؤية 2030، إعادة تشكيل اقتصادها ومدنها في الوقت نفسه؛ والمدينة في هذه المعادلة ليست مجرد مكان يعيش فيه المواطن، بل منصة اقتصادية تتنافس على المستثمر والسائح والموهبة والشركة العالمية. ولهذا فإن وجود خمس مدن سعودية في دراسة واحدة يختلف في معناه عن نجاح العاصمة وحدها: إذا نجحت الرياض بينما بقي التحول محصورًا فيها، تكون السعودية قد صنعت مدينة ذكية؛ أما إذا استطاعت نقل التجربة إلى مكة والمدينة وجدة والدمام ثم إلى مدن أخرى، فإنها تكون قد بدأت بناء شبكة وطنية من المدن الذكية.
وهكذا تصبح أرقام BCG أكثر من سباق بين الرياض ولندن ودبي. الرياض 32 عالميًا اليوم، لكنها الثانية عالميًا في سرعة التغيير خلال العقد الماضي؛ مكة وجدة والمدينة والدمام ما زالت في مراحل أقل من النضج، لكنها جميعًا موجودة على الخريطة نفسها. وهذا ربما هو الرقم الأهم: الفجوة ما زالت قائمة، لكن اتجاه الحركة واضح.
والسؤال الذي سيحدد نجاح التجربة السعودية خلال السنوات المقبلة لن يكون: كم مدينة سعودية دخلت المؤشر؟
بل: هل يستطيع المواطن أن يشعر بالذكاء الاصطناعي قبل أن يراه في التصنيفات؟
فإذا استطاعت المدينة أن تتنبأ بالازدحام قبل وقوعه، وتخفض استهلاك الطاقة والمياه، وتسرّع الاستجابة للطوارئ، وتجعل الخدمات الحكومية أكثر سهولة، وتستخدم البيانات لتحسين الحياة لا لمجرد جمعها، عندها لن تكون عبارة «مدينة ذكية» وصفًا تقنيًا.
بل وصفًا لطريقة جديدة في إدارة المدينة نفسها.



