اقتصاد الانتباه… من يملك عيني؟

✍️ بقلم : زعفران علي المهنا
لم تعد المعركة الكبرى في العالم على المال وحده، بل على شيء أكثر خفاء:
انتباه الإنسان.
من يقرر ماذا نرى عندما نفتح الهاتف؟ ولماذا يحتل زفاف مشهور، فستان عروس، أو تفاصيل حفل فاخر مساحة هائلة، بينما تمر قصة إنسان يبحث عن وظيفة أو دواء أو أمان في سطر عابر؟
يكفي أن يتوقف شخص لحظات أمام مقطع عن حياة فاخرة، حتى تبدأ المنصة في اقتراح مقاطع مشابهة له: مطاعم باهظة، رحلات فاخرة، ومشتريات لا تنتهي. وفي المقابل، قد لا يظهر له خبر عن حملة تبرع لمرضى في مدينته، لأنه لم يتفاعل معها من قبل. هكذا لا تكتفي الخوارزمية بعرض ما نحب، بل تساعد تدريجيا في تحديد ما نراه جديرا بالاهتمام.
ولأن الانتباه أصبح سلعة.
كل دقيقة تقضيها أمام شاشة لها قيمة اقتصادية، ولذلك تتنافس المنصات ووسائل الإعلام على ما يخطف العين: المشاهير، الجمال، الغرابة، الخلاف، الخوف، وحتى المأساة.
وهنا تبدأ المشكلة:
الأكثر ظهورا ليس بالضرورة الأكثر أهمية.
قد تحصد صورة فستان ملايين المشاهدات، بينما لا يلتفت أحد إلى قصة أسرة فقدت منزلها أو شاب يبحث عن عمل منذ سنوات.
ليس لأن تلك القضايا أقل قيمة، بل لأنها أقل قدرة على المنافسة في سوق الانتباه.
وقد يحدث ذلك في تفاصيل يومية تبدو عابرة: حين يبحث أحدهم عن وصفة صحية، فتغمره المنصة بإعلانات المكملات والوجبات السريعة؛ أو حين يشاهد مقطعا عن حادثة، فتقوده الاقتراحات إلى سلسلة من الأخبار المقلقة، حتى يشعر أن العالم كله خطر دائم. وفي كل مرة، تتشكل أولوياتنا قليلا من خلال ما يتكرر أمامنا، لا من خلال ما يستحق فعلا أن يحتل المرتبة الأولى.
وقتها يوجد من يختار ما يدخل إلى رأسك؟
عندما ترى خبرا عشر مرات، تشعر أنه أهم خبر في العالم، بينما قد تكون هناك قضايا أكثر أهمية لم تصل إليك أصلا.
الإعلام والمنصات لا يملكون عقولنا، لكنهم يؤثرون كثيرا في ما نمنحه عقولنا من مساحة.
قد يفتح شخص هاتفه ليتابع رسالة من عائلته، فيجد نفسه بعد دقائق يتنقل بين مقاطع قصيرة اختارتها له الخوارزمية، ثم يكتشف أن الوقت الذي كان يريده للقراءة أو الحديث أو الراحة قد اختفى. وقد يظن أن الجميع يتحدثون عن موضوع معين، فقط لأنه ظهر له مرارا، بينما هو في الحقيقة موضوع تضخمه آلية العرض لا اهتمام الناس جميعا.
ولهذا أصبح علينا أن نسأل:
هل أنا أتابع هذا لأنني مهتم فعلا، أم لأن الخوارزمية قررت أن تبقيني هنا؟
وهل هناك قصة إنسانية غابت عن شاشتي لأنها ببساطة لا تحقق المشاهدة نفسها؟
هل نرفض الترفيه؟
بالتأكيد لا.
فالإنسان يحتاج إلى الفرح والجمال، حتى وسط الأزمات.
لكننا نحتاج إلى التوازن.
أن نعرف الفستان، دون أن ننسى من لا يملك ثمن الدواء.
أن نشاهد الحفل، دون أن نغيب عن المدينة التي تخاف الحرب.
أن نتابع المشاهير، دون أن تختفي من الشاشة وجوه الناس العاديين وقصصهم.
وربما يبدأ هذا التوازن بخطوة بسيطة: أن نبحث بأنفسنا أحيانا عن الأخبار المحلية، وأن نتابع مصادر مختلفة، وأن نسأل قبل تمرير أي محتوى: هل أختاره حقا، أم أنه اختارني؟
في منهج زعفران الحرفي يقترح
في زمن اقتصاد الانتباه، لا تسأل فقط: ماذا أشاهد؟
اسأل:
من اختار لي ما أشاهده؟ ولماذا؟
لأن الذي يملك انتباهك لا يملك عقلك، لكنه يستطيع أن يؤثر في الاتجاه الذي ينظر إليه عقلك.
لذلك لا تترك شاشتك تختار يومك نيابة عنك.
اليوم، أوقف التمرير لدقائق، ألغِ متابعة مصدر واحد يستنزفك، وابحث عمدا عن قضية أو قصة إنسانية لم تكن لتظهر لك في اقتراحاتك.
اجعل انتباهك قرارا لا رد فعل، ودرّب عينيك على أن تريا ما يستحق، لا ما يلمع فقط.
فربما لم تعد أغلى ثروة نملكها هي المال، بل تلك اللحظة الصغيرة التي نقرر فيها:
أين نضع أعيننا؟
ومن يملك هذه اللحظة، يملك بداية الطريق الذي يسلكه عقله وحياته.
فاصله :
كم أحسست بالغثيان من حفلة زفاف بالملايين وبجانبهم مخيمات لاجئين يستقبلون الشتاء بأجساد منهكه



